أخبار إربد
[فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض]

 

اقتصادنا بين أثر العوامل النفسية وضعف المناعة الإقتصادية
أرسل الصفحة لصديق   تاريخ النشر : 27 نيسان  2009
  خاص بأخبار إربد من كاتب المقال الأستاذ خليل الدويري

لا ادعي ان في مضامين هذه المقالة مجموعة من النصائح والتوصيات بقدر ما هي خواطر ومحطات حول الوضع الاقتصادي الاردني وتكيفه مع تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية ، والتجاذب بين هبوب الأفكار السلبية حوله وتأثيرها على المناعة الاقتصادية فيه ...

1. عام 2009م ، عام الزراعة ... هل يعيد الينا بهجة ما انقرض ولو بصورة عصرية ؟ أذكر في الستينات عندما كنت صبياً نحو العاشرة من العمر ... كنت انظر من شباك الحافلة التي تقلنا ... ما ان نصل عند مدخل (حوارة) ... وحتى ينتهي بنا المطاف الى قرية (كتم) ... وعلى طول الطريق وأينما نظرت يميناً أو شمالاً ... وفي مداخل وأطراف كافة القرى ... ترى الجموع الكثيرة من الناس موزعين هنا وهنا ... وهناك وهناك ... رجال ونساء ... شيوخ وشباب واطفال ... كان عرساً جميلاً ... عرفت وليس ببعيد من ذلك العمر ... انها ( البيادر) ... التي انقرضت في هذه الأيام ومنذ سنين ... وانقرضت معها قيمة من قيم واخلاق التعاون والتكافل الاحتماعي (العونة) ، فاذا كنت من شباب اليوم ولم تعرف هذا المصطلح فاسأل من هو أكبر منك سناً ليخبرك عن هذه القيمة... واذا كان طاعنا في السن ... ربما ابتسم اليك وبادرك بقوله يرحم ايام زمان ....كل الخطط والسياسات الزراعية والاقتصادية لم تستطع ان تعيد البهجة لربوع خضراء كانت تمتد آلاف الهكتارات .... الاسباب والمبررات كثيرة ولا أحد يجهلها ... وبدأت تتلاشى البيادر شيئاً فشيئاً ... ومنذ أواسط الستينات مع بزوغ فجر القروض الميسرة لمؤسسة السلع الزراعية الأمريكية لمعونات القمح ... وانتهاءاً باستيراد القمح من الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها . حتى اصبح القمح سلعة استراتيجية استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية ان تقوض بها دولة الاتحاد السوفييتي ( ودعك من الاسباب الأخرى الكثيرة لانهياره).... ما علينا ... أفكر بصوت عالي ...من داخلي قال هذا الصوت : كان جدك يركب حصان ... طيب ! وانا الآن أركب سيارة بقوة 100 حصان ....! لم ادعه يكمل حتى لا ( يخمني ) في ذكر اسباب انقراض البيادر والبدائل المعاصرة لها، ولكي لا اسمح له بما يعكر صفو ما هدفت اليه من متابعة كتابة هذا المقال.

2. تشير الدراسات النفسية أن ما بين 75% ــ 90% من الأمراض العضوية التي تصيب الجسم مردها ومبعثها اسباباً نفسية !. فكل ما يدور حولك ويفكر فيه العقل يؤثر على بقية أجهزة وأعضاء الجسم ، وهل تعلم ان التوتر والقلق والضيق ان لم تتكيف وتتعايش مع اسبابها بحكمة تمهيداً للسيطرة عليها والتخلص منها ، يمكن ان يؤدي الى ضعف جهاز المناعة لدى الجسم ، وبالتالي يكون هشاً للمقاومة وعرضة للتوقف عن العمل ولزوم الفراش !! . ولا يبعد كثيراً تشبيه الاقتصاد كالجسم الآدمي في تعاطيه وتعامله مع الظروف المحيطة به والأزمات الطارئة عليه.

3. كثيرا ما نسمع من تقارير المحللين الماليين لحركة الاسواق المالية والبورصات مصطلح ومفهوم ( العوامل النفسية ) كأحد اسباب هبوط او ارتفاع الأسعار في البورصات العالمية .. على اختلاف انواعها السلعية المرتبطة بحاجات الناس في مختلف بقاع الأرض ، سواء كانت بورصات النفط او القمح او بورصات البن او الزهور ، ولتجد لها منافذ ومصبات تنتهي اليها بسرعة البرق وتنعكس آثارها الايجابية أوالسلبية في النهاية بصورة مالية ونقدية تصب في البورصات المالية العالمية الرئيسية وهو ما يتناهى الى مسامعنا كل يوم من هبوط او انتعاش الاسواق المالية والذي يعكس التذبذب في هبوط أو صعود اسعار الاسهم و السندات وغيرها من الأدوات المالية في تلك الأسواق.

4. صحيح ان الاقتصاد الاردني ليس بمعزل عن التأثيرات السلبية التي تسود الاسواق المالية العالمية في هذه الأيام ، وتضرب أزمتها اقتصادات الدول الصناعية بالدرجة الأولى وتجتاح بتأثيراتها السلبية بقية اقتصادات دول العالم المرتبطة بها بشكل مباشر أو غير مباشر . ولكن تخف وطأة هذه التأثيرات السلبية على الاقتصاد الاردني بسبب عدم ارتباطه المباشر بمصادر تلك الأزمة . وبالتالي فإن هذا الشعور والاحساس يولد محطة نفسية أولى ايجابية في التكيف مع المتغيرات القادمة والتعامل مع تداعيات الأزمة.

5. إن تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية كانت نتاجاً للأزمة المالية والمتمثلة بالانخفاض المفاجيء في اسعار الأصول سواء المادية من الآلات والأبنية والعقارات أو المالية من الاسهم والسندات وغيرها من حقوق الملكية. درج الاقتصاديون على تداول مصطلح ( الفقاعة ) ، وعزوا الانخفاض المفاجيء في اسعار الأصول الى ( انفجار ) تلك الفقاعة ، واختر ما شئت من تسميات للفقاعة ، فقاعة الاسهم ، فقاعة العقارات ، فقاعة المضاربة ، فقاعة الأدمغة ..! والمنتهية بالجلطة الدماغية ... ! والتي تؤول بصاحبها إما للموت أو الشلل أو التعافي ... وما الفقاعة إلا تداول الأصول المالية والمادية بيعاً وشراءاً بأسعار وهمية وخيالية تفوق بشكل كبير اسعارها الحقيقية . ومن الاقتصاديين كالنعامة ... من لا يعترف بهذه الفقاعة تعصباً ومكابرة ، لا بل ينكر وجودها ومدعياً ان هذه حركات تصحيحية صحية يعدل اقتصاد السوق الحر فيها من مساره.

6. العوامل النفسية على اختلاف اخلاقياتها ومصادرها ... غولت لدرجة الفقاعة نزعة حب الثراء والربح السريع والمضاربة في العقارات (في حالة الولايات المتحدة الأمريكية خاصة ) ، حتى انه قبل ثلاث سنوات تم سحب مليارات الدولارات كتسهيلات عقارية من البنوك ممنوحة للمؤسسات والشركات والأفراد لتمويل بناء وشراء المساكن والعقارات الأخرى لجدوى الاستثمار فيها بسبب ربحيتها العالية نتيجة ارتفاع اسعاربيعها وتأجيرها . ومع نهايات العام الماضي تم عرض ملايين العقارات للبيع في السوق فانخفضت أسعارها ... ولم يستطع المقترضين السابق ذكرهم من تسديد القروض التي تم سحبها ... وبالتالي تعرضت البنوك ومؤسسات التمويل المانحة للقروض والتسهيلات لأزمة السيولة ... أدت الى انهيارها وافلاس الكثير منها ... وامتدت تداعيات الافلاس والانهيار الى الأسواق المالية ... وهبوط الاسعار فيها وتراجعها الحاد وانتقلت الآثار التراجعية والهبوط من سوق الى سوق حتى طالت بشررها كافة مناحي النشاطات الاقتصادية وفي العالم أجمع بدرجات متفاوتة ...

7. ربما قاريء ميوله سياسية يسطح الفقرة السابقة ، ويقول ما هذا الكلام ؟ ... ان الحرب على العراق لوحدها كلفت الولايات المتحدة الأمريكية حتى نهاية السنة الماضية أكثر من ثلاثة ترليونات دولار( وللعلم الترليون ألف مليار والمليار ألف مليون ) ! وبالتالي يحق لهذا السياسي أن يقول إن ذلك كان سيؤدي الى انهيار وكساد مرعب في الاقتصاد الأمريكي لولا تساهل البنوك ومؤسسات التمويل بمنح التسهيلات والقروض ، ولولا (طبطبة) الاحتياطي الفدرالي او البنك المركزي هناك بتخفيضيات متلاحقة في معدلات الفائدة بشكل لم يسبق له مثيل. أقول له : صحيح ، ولكن أظن انك لن تخالفني إن قلت ان انفجار فقاعة العقار كانت القشة التي قسمت ظهر البعير وكشفت سوءة ما صرحت انت به من توحل امريكا في العراق ، هذا بدون الأخذ بالاعتبار خيبتها في افغانستان ..! . لكن ايها السياسي ومنذ متى يفكر السياسيون في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية في الربح والخسارة المالية ؟.

8. المهم دعنا في الشأن الاقتصادي المباشر ، فأقول من المبالغة اسقاط الجشع المتغول الذي جرى في الفقاعة العقارية الأمريكية أس الأزمة المالية وتحولها الى أزمة اقتصادية هناك ، من المبالغة اسقاط ذلك على سوق العقارات في الأردن او اسقاطه على غيره من القطاعات ... وكان للعامل النفسي المغلف بمبررات اتباع نهج وسياسة مصرفية في بداية هذا العام لدى البنوك الاردنية لدرجة المبالغة في التحوط من منح التسهيلات والتشدد في الاقراض الى الحد الذي اضاعت فيه تمويل كثير من فرص توريد سلع للاقتصاد الاردني من الخارج بأسعار منخفضة.

9. ان صناع القرار الاقتصادي والمالي والتجاري في الاردن يتابعون بشكل جيد ما يجري من متغيرات اقتصادية تهب آثارها علينا كل لحظة . ولا اجانب الحقيقة ان قلت أن الرقابة المصرفية للبنك المركزي تفوق بكثير الرقابة المصرفية في الولايات المتحدة الأمريكية بحكم اسباب كثيرة ( وإلا لوكان هناك رقابة مصرفية بالعموم لما حصل لديهم ما حصل) ويكفي ان اذكر مثالاً لذلك ؛ لو تقدمت شركة او مؤسسة أو حتى الأفراد الى أي بنك في الأردن لطلب قروض أو تسهيلات ... فإن البنك قبل منح تلك التسهيلات يتم الاستعلام من البنك المركزي عن ملاءة هذا العميل الشركة او المؤسسة او الفرد وبالتالي يسرشد البنك مانح التسهيلات برأي الجهة الرقابية للبنك المركزي لهذا العميل. هذا الأمر غير موجود في الولايات المتحدة لاعتبارات متعددة في طبيعة نظام اقتصاد السوق الحر هناك .

10. عرف عن الاقتصاد الاردني بالرغم من امكانياته المادية المحدودة قدرته العالية على التكيف ، وكثيراً من الأزمات الاقتصادية او السياسية التي مر بها الاقتصاد الأردني خلال العقود الماضية خرج منها معافى باقل الخسائر، وأعاد ترتيب اوراقه وبيته الداخلي ليخرج منها سليما معافى ، ولم تزده هذه الأزمات إلا صلابة وقوة في مواجهة التحديات والكيف معها ، ولديه مناعة اقتصادية قوية اكسبته اياها التجارب التي مر بها .

11. والمطلوب في هذه الظروف ــ ولا اذكر هنا الآليات ، فاهل مكة من صناع القرار والمتخصصين أدرى بشعابها ــ هو التعاون التام ولأبعد الحدود في الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) ـPublic Private Partnership بحيث يعكس هذا التعاون المحافظة على المكتسبات التي تم تحقيقها وانجازها ، وتجاوز هذه المرحلة باقل خسائر ممكنة ولا ابالغ القول ولتحقيق ايضاً معدلات نمو وإن كانت اقل منها في الظروف غير الاستثنائية.

12. وهذا التعاون مطلب وطني وضرورة ملحة وجدية في هذا الظرف لأسباب كثيرة تنحصر تحت عنوان الاستفادة من كل الجهود البناءة والتنسيق بينها وعدم تبعثرها بالازدواجية او تشتت الطاقات ، من خلال اعادة هيكلة وترتيب الجهود المتمثلة بالتشريعات والرقابة والحوافز وتهيئة البيئة الاستثمارية الجاذبة للمستثمرين المحليين والخارجيين.

13. وحتى يتم هذا التعاون والتنسيق بأكمل وجه بين القطاعين العام والخاص ، اقترح البدء بتأسيس هيئة عليا كغرفة عمليات مفتوحة مشتركة من المتخصصين من القطاعين العام والخاص ، وذلك بهدف وضع خطة اقتصادية طارئة مفتوحة وغير تقليدية لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية ، مهمتها الرئيسية تنحصر في :

أولاً : وضع الأهداف الاستراتيجية المتوازنة والتي تناسب المرحلة .

ثانياً : المتابعة عن كثب لكافة ما يرد اليها من مخرجات لجان التعاون المتخصصة من القطاعين العام والخاص في مختلف الأنشطة الاقتصادية والمالية والإستثمارية .

ثالثاً : الوقوف على آخر التطورات والمتغيرات الإقليمية والدولية للاستفادة منها والتكيف معها لتحقيق أهداف الخطة الطارئة المفتوحة.

رابعاً : وضع التنبؤات والتوقعات المستقبلية الواقعية والقريبة والقابلة للتنفيذ في ضوء معطيات ومتطلبات المرحلة لنتائج البندين السابقين في ( ثانياً وثالثاً أعلاه) والتي يمر بها الوضع الاقتصادي .

خليل الدويري
مستشار ومحلل اقتصادي


 تعليقات القراء - التعليقات تعبر عن آراء كاتبيها ، ولن ننشر التعليقات غير البناءة والهادفة أو غير المتعلقة بالموضوع


2009-05-02

I agree 100 percent with you Mr Kaleel, , because, I beleave that one of the uses in economic (the prediction modle) that enable us to predict the problem befor it happend, so it has to be a plane to face the economi consiquenses in the futuer base on what hppend now, therefore, we should have now aplan as you sujest. ppp is very important to minimiz the lose in the market as a whole especialy in Jordan market because it has a limit revenu. Rasmi Masadeh. USA


2009-06-11

الموضوع أكثر من رائع، والله يعطيه العافية على ما خطت يداه، غير أنني وجدت تناقض في كلام الكاتب، فكيف يقول في العنوان: أن اقتصادنا الأردني يشكو من ضعف المناعة الإقتصادية، ثم يقول في الفقرة رقم 10 بأن اقتصادنا الأردني معروف بخروجه من الأزمات بأقل الخسائر لأن لديه مناعة اقتصادية قوية، كيف تكون ضعيفة وقوية في نفس الوقت؟! وشكرا لكم - أبو عمر

 


 إقرأ أيضاً في أخبار إربد: