|
أهالي
إربد وجوارها يشكِّـلون لجنة وطنية لدعم إخوانهم في فلسطين
على صعيد دعم أهالي إربد وجوارها لإخوانهم مناضلي فلسطين في ثورتهم ضد المستعمرين
الإنجليز والعصابات اليهودية التي كانت تحظى بدعم الإنجليز, لم يكتف أهالي إربد
وجوارها بالمظاهرات والعرائض فشكَّـلوا في عام 1936 م لجنة أطلقوا عليها إسم اللجنة
الوطنية الفرعية في إربد لدعم الشعب الفلسطيني, وكان لهذه اللجنة دورٌ في تأمين
السلاح لثوَّار فلسطين, وتشكَّـلت اللجنة من شخصياتٍ وطنيةٍ في مدينة إربد وجوارها
منهم الشيخ سليمان السودي الروسان والشيخ محمود الخالد الغرايبة والحاج نايف أبو
عبيد والحاج قاسم الأمعري والحاج سعدي بيبرس وغيرهم, وكانت اللجنة تحظى بدعم خفي من
عدد من المسؤولين المدنيين والعسكريين, ويُشيرُ الأستاذ محمود سعد العبيدات في
كتابه " المجاهد خلف محمد التـل " الذي يروي قصةَ حياةِ خلف التـل (أبو هاجم) إلى
أن خلف التل كان بحكم وظيفته, وخاصةً في وزارة الداخلية, ينتهز فرصةَ تنقـلهِ بين
عمَّان وإربد ليتابعَ بشكل سرِّي نشاطات اللجنة الوطنية الفرعية في إربد التي كانت
تجمع المال والسلاح لدعم الشعب الفلسطيني, وكان له دورٌ في تأمين السلاح لثوَّار
فلسطين بالتعاون مع قائدِ منطقة إربد ومساعدِه الضابطين صدقي القاسم وشكري العموري
اللذين على الرغم من أن مهمتهما بحكم وظيفتهما الأمنية كانت ملاحقة الوطنيين ومنعهم
من تهريب السلاح إلى المناضلين في فلسطين, إلا أن ما كانا يتمتعان به من روح وطنية
كانت تدفع بهما إلى المجازفة بمستقبلهما الوظيفي للمساعدة في تهريب السلاح إلى
المناضلين الفلسطينيين, فكان القاسم والعموري, وبتشجيع من خلف التل, إذا عرفا أن
رجالات الحركة الوطنية الأردنية في شمال الأردن يعجزون عن تهريب السلاح لإخوانهم في
فلسطين يهرِّبان السلاح بسيارتيهما العسكريتين من نقاط التفتيش الإنجليزية حتى
يوصلا السلاح إلى منطقة آمنة ليتمكن الوطنيون الشرق الأردنيون من تهريبه إلى
إخوانهم في فلسطين.
* بعيدا عن إربد, قدمتُ إلى الدنيا على يد قابلة الكرك الشهيرة ثـقلا المدانات.
تشير شهادة ميلاد والدي محمود علي عمر العكـاوي رحمه الله أنه ولد في قصبة إربد من
قضاء عجلون من ولاية سوريا (العهد العثماني) في عام 1313 هجرية / 1895 م, وأنهى
دراسته الإبتدائية في عام 1905 م من مدرسة إربد الحكومية التي بنيت في الجهة
الشرقية لتل إربد في عام 1879 م بقرار من مجلس معارف ولاية سوريا التي كانت إربد
تابعة لها, وأطلق عليها إسم المدرسة الرشدية (تغيَّر إسمها لاحقا إلى مدرسة حسن
كامل الصبـاح), وأكمل والدي دراسته الإعدادية والثانوية في " مكتب عنبر " في دمشق
(مكتب تعني بالتركية مدرسة أو معهد) وكان من أهم المدارس في بلاد الشام في العهد
العثماني وكان والدي رحمه الله واحدا من 13 طالبا من شرقي الأردن تخرَّجوا من مكتب
عنبر في عام 1913 م, والتحق مباشرة بالمدرسة الحربية العثمانية " الكلية العسكرية "
(الأرجح أنها كانت في إستانبول التي أكملتُ دراستي الجامعية في جامعتها), وتخرَّج
منها في عام 1915 م ليصبح ضابطا في معسكر للجيش العثماني في منطقة عرب كير التي كان
حاكمها الإداري (القائمقام) في ذلك الوقت السيد علي نيازي التل الذي تزوَّج والدي
لاحقا إبنة شقيقه الأكبر صالح المصطفى التل (والدتي), وفي عام 1919 م ترك الجيش
العثماني مع العديد من الضباط العرب ليلتحقوا ضباطا بالجيش العربي الذي شكـلته
الدولة العربية التي إتخذت من دمشق عاصمة لها بزعامة الملك فيصل بن الحسين بن علي,
والتحق بمعسكر اللواء الثامن في المزِّة قريبا من دمشق, وكان معه عدد من ضباط إربد
وجوارها منهم القائمقام (أمير اللواء) علي خلقي باشا الشرايري ومحمد علي العجلوني
ومحمد جلال القطب وأحمد التل " أبو صعب " ومحمود أبو الروس الروسان وخلف محمد التل
" أبو هاجم " الذي شغل منصب قائد درك حوران.
وفي أواخر عام 1920 م ترك والدي رحمه الله الخدمة العسكرية وكان برتبة ملازم ثاني,
ليبدأ في عام 1921 م مع بداية تأسيس إمارة شرقي الأردن بزعامة الأمير المؤسِّس عبد
الله بن الحسين بن علي مشواره في مسيرة التعليم الأردنية مديرا لمدرسة الحصن فأسَّس
فيها أول فرقة موسيقية مدرسية في تاريخ الأردن, وطوَّرفرقتها الكشفية, وأهتم بعلوم
الزراعة فأقام مزرعة تجريبية في حديقة المدرسة, وفي عام 1926 م نـقل والدي مديرا
لمدرسة تجهيز الكرك, وبقي مديرا لها حتى عام 1938 م, مع إنقطاع لتسعة أشهر نـقل
فيها بشكل مؤقت مديرا لمدرسة إربد الحكومية التي كان إسمها المدرسة الرشدية ثم
مدرسة حسن كامل الصبـاح, وهي المدرسة التي كان قد درس فيها وتخرَّج منها في عام
1905 م منهيا الصف السادس الإبتدائي, وهو أعلى صف كان فيها.
وكان من أساتذة مدرسة الكرك في فترة إدارة والدي لها السيد فوزي الملقي (رئيس
الوزراء لاحقا) والسيد سليمان النابلسي (رئيس الوزراء لاحقا), وكان من طلابه هزاع
بركات المجالي (رئيس الوزراء لاحقا) وعبد السلام المجالي (رئيس الوزراء لاحقا) عبد
الوهاب المجالي (الوزير والنائب لاحقا) وأثناء خدمته في الكرك على مدى 12 عاما كانت
والدتي رحمها الله شهيرة صالح المصطفى اليوسف الملحم التل تقيم مع والدي في الكرك
في الطابق الثاني من منزل لآل المدانات كان مجاورا لمدرسة الكرك, ورزق والداي
معاوية (مات رضيعا) وشقيقتي ماوية (الطبيبة لاحقا), وشاءت إرادة الله عزَّ وجلَّ أن
يكون حمل أمـي بي أثناء وجودها في الكرك, وكان انتقال الوالدة إلى إربد لتضع حملها
بين أهلها من سابع المستحيلات مع ندرة السيارات وصعوبة الطريق التي لا يتحمل
مشقَّتها الأصحـاء فكيف بالحوامل, فقدمت جدَّتي خالدية الكردي الحموية الجذور رحمها
الله إلى الكرك لتكون بقرب ابنتها عند الولادة, ولم ألبث أن شرَّفت إلى الدنيا في
أحد أيام الشهر العاشر (تشرين أول) من عام 1937 م على يد قابلة الكرك الشهيرة
السيدة ثـقلا المدانات (أم هشــال).
بعد ولادتي, توالت المشاكل على والدي, فقد وظيفته, وخسر تقاعده, وزجَّ به في
السجن.
ويبدو أن قدومي إلى الدنيا كان نذير نحس لوالدي, فلم يمض طويل وقت بعد تشريفي حتى
كان يتسلم في بدايات عام 1938 م كتاب نقله من الكرك التي أحبـها, وأحبـه أهلها,
مديرا لمدرسة ثانوية متوسطة هي المدرسة العبسلية في عمَّان, وهي مدرسة صغيرة من حيث
عدد الصفوف والمعلمين والطلاب مقارنة بمدرسة تجهيز الكرك, ووجد والدي نفسه مضطرَّا
للإبتعاد عن الكرك التي أحبها وأحبه أهلها ليسكن في عمان في بيت مستأجر في شارع
الشابسوغ كان يمتلكه السيد محمد الترك (أبو نجم الدين), وكان قريبا من منزل خالي
عرار " أبو وصفي " الذي كان بجانب المدرج الروماني, ولم يمض وقت على نقل والدي
مديرا للعبسلية حتى تسلـم كتابا بإعفائه من منصب المدير ليصبح معلما في نفس
المدرسة, وتزامنت هذه القرارات الكيدية مع قرارات مماثلة بحقِّ عمِّي الأستاذ حسن
أبو غنيمة حيث تمَّ إعفاؤه من منصب مدير مدرسة السلط الثانوية ليصبح معلما فيها,
ثمَّ نقل معلما في مدرسة إربد الثانوية التي كان مديرا لها في وقت سابق, وأدرك
والدي رحمه الله أنَّ تلك القرارات الكيدية كانت بتحريض من الإنجليز كرد فعل
إنتقامي من شقيقهما الأصغر الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة الذي كان في طليعة رجالات
الحركة الوطنية الأردنية المعارضة للنفوذ البريطاني في شرقي الأردن, وقيل آنذاك أن
خالي عرار نبَّـه والدي إلى أن الإنجليز يضغطون على مدير المعارف في حينه الأستاذ
سمير الرفاعي (رئيس الحكومة لاحقا) لإصدار قرار بفصله نهائيا من الخدمة, وقرر والدي
أن يفوِّت الفرصة على الإنجليز, ويرفع الحرج عن زميله سمير الرفاعي فقدَّم إستقالته
من عمله في إدارة المعارف (قبل تحويلها إلى وزارة) مضحـيا بالراتب التقاعدي الذي
كان على وشك إستحقاقه حيث كان على مشارف بلوغه سن التقاعد.
العودة إلى إربـــــد
بعد تركه العمل الحكومي في دائرة المعارف محروما من التقاعد الذي كان على أبواب
إستحقاقه, عاد والدي رحمه الله إلى إربد تصحبه والدتي وهي تجرُّ وراءها شقيقتي
ماوية, وتحمل على يديها وليدها المنحوس الذي هو أنا " زياد ", وتترك وراءها لوعتها
على فراق بكرها معاوية المدفون في مقبرة الكرك, والذي علمت فيما بعد أنه توفي بسبب
خطأ طبي عندما أعطاه الطبيب " شربة دود " لم يكن بحاجة إليها فحصلت له مضاعفات أودت
بحياته رحمه الله.
بعد عودته إلى إربد إنضمَّ والدي إلى العديد من رجالات إربد وجوارها الذين كانوا
ينشطون في العمل السياسي والوطني وخاصة في معارضة السيطرة الإستعمارية البريطانية
على شرقي الأردن, وفي تهريب السلاح والمال إلى المجاهدين في فلسطين الذين كانوا
يتصدُّون للمخطط اليهودي المدعوم من الإنجليز للإستيلاء على فلسطين لإقامة وطنهم
القومي الذي وعدهم به وزير الخارجية البريطاني المتصهين اللورد بلفور, وكان والدي
بعد أن فقد وظيفته وخسر معاشه التقاعدي يعتمد في إعالتنا على حصته من إيجارات
دكاكين عمارة جدي علي أبو غنيمة, بالإضافة إلى ما كان جدِّي صالح المصطفى التل
يزوِّدنا به من لوازم البيت بين حين وآخر, ولم تمض فترة على رجوعنا إلى إربد حتى
عاد نحسي يلاحق والدي رحمه الله, فلم يلبث أن سيق مع العديد من رجالات شمال الأردن
إلى سجن المحطة بعمان (1941 م) بتهمة تفجير أنابيب النفط التي أقامتها شركة
التابلاين الإنجليزية لنقل النفط العراقي الذي كان ينهبه الإنجليز الذين كانوا
يحتلون العراق إلى ميناء حيفا لتفريغه في بواخر تنقله إلى بريطانيا.
في منزل علي خلقي الشرايري في إربد تقرَّر نسف أنبوب النفط الذي أقامه الإنجليز
كان رجالات الحركة الوطنية الأردنية يوزِّعون نضالاتهم بين التصدِّي للمستعمرين
الإنجليز وبين دعم مناضلي فلسطين, وكان خط أنابيب النفط التابع لشركة التبلاين
الإنجليزية والمار في الأراضي الأردنية والذي أقامه الإنجليز في الثلاثينيات لنقل
نفط العراق الذي كانوا ينهبونه من دون ثمن إلى ميناء حيفا الفلسطيني لتفريغه في
بواخر تنقله إلى بريطانيا وأوروبا, وكان خط الأنابيب يمر بشرقي الأردن, وكان هذا
الخط أحد الأهداف التي استهدفها مجاهدو المعارضة الوطنية الأردنية أثناء احتدام
ثورة الشعب الفلسطيني ضد الانتداب البريطاني كشكل من أشكال الإسناد من المعارضة
الوطنية الأردنية لإخوانهم ثوار فلسطين, وتعبيراً عن رفضهم للاحتلال البريطاني
لفلسطين وشرقي الأردن والعراق في ذلك الوقت.
وقد تمكن المجاهدون من المعارضة الأردنية من رجالات شمال الأردن من تفجير خط
الأنابيب في موقع قريب من بلدة الحصن في مدينة إربد, وكان التخطيط للقيام بعملية
التفجير قد جرى في منزل علي خلقي الشرايري كما يذكر في مذكراته, حيث التقى مع عدد
من رجالات الحركة الوطنية الأردنية في شمال الأردن, كان منهم أمين الخصاونة ومحمود
الفنيش النصيرات وسليمان السودي الروسان وأحمد التل (أبو صعب) وإمام المسجد الغربي
الشيخ يوسف البرقاوي وإبراهيم عبيدات ومحمود أبو غنيمة.
وبعد مضي بضعة أيام على هذا اللقاء السرّي, وتحديدا في 10 /4 /1939 م, دوّى صوتُ
انفجار كبير في موقع قريبٍ من بلدة الحصن, تبين فيما بعد أنه كان نتيجة عملية
التفجير التي خطـط لها رجالات الحركة الوطنية الأردنية في منزل القام ئمقام علي
خلقي باشا الشرايري لتدمير خط أنابيب النفط التي أقامها الإنجليز لتساعد في سلب نفط
العراق الذي كان تحت احتلالهم.
وسارع الإنجليز الذين كانوا يحتلون شرقي الأردن للضغط على حكومة الإمارة التي أوعزت
لمتصرف إربد عباس ميرزا (الوزير لاحقا) ولقائد شرطتها أحمد رمزي بشن حملة اعتقالات
واسعة النطاق شملت العشرات من رجالات الحركة الوطنية في شمال الأردن كان في مقدمتهم
القائمقام على خلقي باشا الشرايري, وأحمد محمد التل (أبو صعب), ومحمود باشا الخالد
الغرايبة, وسليمان باشا السودي الروسان, ومحمد السمرين خريس, وأحمد محمد الخطيب,
ومحمود أبو غنيمة (والدي), وإبراهيم العبيدات, وسالم الهنداوي, وابراهيم التل,
وراشد باشا الخزاعي الفريحات, وعمر السكران, وأحمد الجيزاوي, ومحمد عبد العزيز
إرشيدات, وصبحي النابلسي, ومحمد أبو عيَّاد, وأسعد شرار, والشيخ يوسف البرقاوي,
والشيخ علي الملكاوي, ومحمد باشا السعد العلي البطاينة, وتيسير ظبيان, وأمين
الخصاونة, وغيرهم من الناشطين في الحركة الوطنية الأردنية
شرح صورة:
ما تبقى من منزل القائمقام علي خلقي باشا الشرايري الذي كان رجالات الحركة الوطنية
في إربد وجوارها يعقدون اجتماعاتهم فيه لتنسيق نشاطاتهم المعارضة للإنجليز,
والداعمة لإخوانهم المناضلين الفلسطينيين والسوريين |