|
بدأت مسيرة السلطة التشريعية في
الإمارة الأردنية متأخرة (7) سنوات و (11) شهراً و (22) يوماً عن بداية مسيرة
السلطة التنفيذية, فقد تشكلت أول حكومة أردنية في عهد الإمارة الأردنية في
11/4/1921 م, أما أول مجلس تشريعي فقد تشكل في 2/4/1929م, وتشكل آخر مجلس تشريعي
وهو المجلس التشريعي الخامس في 20/10/1942 م, واستمرت ولايته حتى 20/10/1945 م, ثم
مدِّدت إلى 20/10/1947 م, وبهذا المجلس انتهت المرحلة الأولى من مسيرة السلطة
التشريعية التي تمثلت بالمجالس التشريعية الخمسة.
وقد سبق تشكيل أول مجلس تشريعي في عهد الإمارة في 2/4/1929 م بعض المحاولات لتأسيس
السلطة التشريعية, وكانت أول محاولة في 1/4/1923 م عندما تشكل ما أُطلق عليه اسم
"مجلس الشورى", وأُنيطت به مهمة سن صيغ القوانين والأنظمة وتفسيرها, ولكن هذا
المجلس لم يكن منتخباً من المواطنين, فقد تشكل من موظفين في الدولة برئاسة قاضي
القضاة, واستمر "مجلس الشورى" بتشكيلته الرسمية غير المنتخبة شعبياً في العمل حتى
1/4/1927 م عندما صدر قرار بإلغائه.
وكان الأمير المؤسِّس عبد الله بن الحسين قد أصدر إرادة أميرية في أوائل شهر تموز
من عام 1923 م, أي بعد شهرين من تشكيل مجلس الشورى الآنف ذكره بتشكيل لجنة أهلية
لوضع قانون للمجلس النيابي, وأُنيطت رئاسة اللجنة بوزير العدلية إبراهيم هاشم,
وظفرت عشيرتا آل التل وآل الشرايري بتمثيل إربد في اللجنة بالقائمقام علي خلقي
الشرايري وبعلي نيازي التل, وظفرت عشيرة العتوم ممثلة بالشيخ علي الكايد العتوم
بتمثيل جرش.
وخطى الأمير المؤسِّس خطوة أخرى للتسريع في اتخاذ الإجراءات الضرورية لبعث الحياة
في السلطة التشريعية, فأصدر إرادة أميرية في كانون الأول من عام 1923 م بوجوب
الإسراع في وضع قانون الانتخاب ليتسنى تشكيل مجلس نيابي بالسرعة الممكنة كما ورد في
الإرادة الأميرية حرفياً, وتبع صدور الإرادة الأميرية تشكيل لجنة تحضيرية لوضع
قانون الانتخابات, وأنجزت اللجنة مهمتها, كما أنجزت الحكومة من جانبها إعداد قوائم
الناخبين في جميع مناطق الإمارة ونشرتها في شهر حزيران من عام 1924 م.
وعندما أصبحت كل الإجراءات جاهزة لإجراء أول انتخابات نيابية لإفراز أول مجلس نيابي
في إمارة شرقي الأردن, فوجئ الشرق أردنيون بتدخل المستعمرين الإنجليز الذين كانوا
يجثمون على صدر الأردن والأردنيين, حيث بدأوا يمارسون ضغوطاً على حكومة الإمارة
للتراجع عن فكرة إجراء انتخابات نيابية لإفراز مجلس نيابي, وأدرك الشرق أردنيون أن
ضغوط المستعمرين الإنجليز لإجهاض محاولة تأسيس حياة نيابية في الإمارة كان مبعثها
خوفهم من إفراز أهالي شرقي الأردن لمجالس نيابية تضم نواباً من رجالات الحركة
الوطنية الأردنية التي كانت تجاهر بعدائها للمستعمرين الإنجليز, كما كانت تجاهر
بإنحيازها إلى جانب أهالي فلسطين في تصدِّيهم للمخططات الصهيونية المدعومة بقوة من
الإنجليز لإقامة دولة يهودية في فلسطين, وقد نجحت الضغوط الإنجليزية وتراجعت حكومة
الإمارة عن إجراء الانتخابات النيابية.
تحت الضغط الشعبي.. الإنجليز يسمحون بتشكيل مجالس تشريعية بدلاً عن المجالس
النيابية.
لم تفقد ضغوطات المستعمرين الإنجليز وعراقيلهم لمنع تشكيل مجالس نيابية منتخبة
أهالي شرقي الأردن في جميع مناطقهم حماسهم في المطالبة بحياة نيابية قوامها مجالس
نيابية يتم إفرازها تحت مظلة قانون انتخابات يضمن نزاهة الانتخابات وحريَّتها,
فاستمرَّت المطالبة بالحياة النيابية وتصاعدت حتى اضطر المستعمرون الإنجليز في عام
1926 م بالإيعاز لحكومة الإمارة برئاسة الرئيس حسن خالد أبو الهدى الصيّادي بتشكيل
لجنة لإعادة النظر في قانون الانتخابات السابق الذي أجهض المستعمرون الإنجليز العمل
به, واتبعت حكومة الصيّادي, بتحريض من الإنجليز, أسلوب المماطلة حتى أوائل عام 1928
م, ولكن الحكومة وجدت نفسها أمام مأزق قانوني حيث اكتشفت أنها بحاجة إلى وجود مجلس
نيابي للتصديق على المعاهدة التي عقدتها مع بريطانيا في 20/2/1928 م, فسارع رئيس
الحكومة حسن خالد أبو الهدى الصيّادي في 17/6/1928 م إلى إصدار قانون انتخابات جديد
لانتخاب مجلس تشريعي (لا مجلس نواب), وأدرك الشرق أردنيون أن المستعمرين الإنجليز
يريدونه مجلساً ضعيفاً يتحكـمون بقراراته, ولكنهم لم يفوِّتوا الفرصة فقبلوا بتأسيس
مجالس تشريعية كخطوة أولى نحو المجالس النيابية.
رجالات إربد وجوارها لعبوا دورا مميزا في مسيرة المجالس التشريعية
في 2/4/1929 م جرت الانتخابات لإفراز المجلس التشريعي الأول في تاريخ الدولة
الأردنية, وتمثلت فيه إربد وجوارها بالشيخ عبد الله الكليب اليوسف الشريدة (الكورة)
والمحامي نجيب عبد القادر اليوسف الشريدة (كان يسكن في إربد), والشيخ عقلة المحمد
النصير " النصيرات " (الحصن), والمحامي نجيب أبو الشعر النمري (الحصن).
وفي 10/6/1931 م أجرت حكومة الشيخ عبد الله سراج الانتخابات لإفراز المجلس التشريعي
الثاني, وتمثلت فيه إربد وجوارها بالشيخ قاسم الهنداوي (النعيمة), والشيخ ناجي
العزّام (الوسطية), والشيخ محمد السعد العلي البطاينه (البارحة), وتمثل المسيحيون
في شمال الأردن بالسيد سلطي الإبراهيم الأيوب (الحصن).
وفي 16/10/1934 م أجرت حكومة الرئيس إبراهيم هاشم الانتخابات لإفراز المجلس
التشريعي الثالث, وقد تمثلت فيه إربد وجوارها بالشيخ محمود الفنيش النصيرات
(الحصن), والشيخ عبد الله الكليب الشريدة (الكورة), والشيخ فلاح الظاهر البطاينة
(البارحة), ومثل المسيحيين في لواء عجلون في المجلس التشريعي الثالث السيد سليمان
الخليل الجوينات.
وفي 16/10/1937 م جرت الانتخابات لإفراز المجلس التشريعي الرابع, وتمثلت فيه إربد
وجوارها بالشيخ عبد الله الكليب الشريدة (الكورة), والشيخ محمد السعد العلي
البطاينه الذي حل محل الشيخ عبد الله الكليب الشريدة الذي استقال من المجلس
التشريعي بعد تعيينه متصرفاً في وزارة الداخلية, والشيخ محمود الفنيش النصيرات
(الحصن), والشيخ محمد العواد حجازي (إربد), ومثل المسيحيين في شمال الأردن الشيخ
سلطي الإبراهيم الأيوب.
وفي 20/10/1942 م أجرت حكومة الرئيس توفيق أبو الهدى الانتخابات لإفراز المجلس
التشريعي الخامس,, وتمثلت فيه إربد وجوارها بالشيخ عبد القادر التل (إربد), والشيخ
سالم الهندواي (النعيمة), والشيخ محمد العواد حجازي (إربد), ومثل المسيحيين في شمال
الأردن السيد عيسى العوض العمَّـاري.
أول مطالبة نيابية بتشكيل نقابات عمالية تبناها النائب عيسى العوض العمَّاري في
عام 1943م.
شارك أعضاء المجالس التشريعية من رجالات إربد وجوارها بفعالية في مسيرة الحياة
التشريعية الأردنية, و لعب ممثلو إربد وجوارها في المجالس التشريعية دورا هاما في
ممارسة الضغوط لإلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية, وتمكنوا مع ممثلي مناطق شرقي
الأردن الأخرى من تعديلها أكثر من مرة بما يقلل من الإجحاف الذي كانت تحتويه بحق
الأردن, ويسجَّـل لعضو المجلس التشريعي الخامس السيد عيسى العوض العمــاري (الحصن)
أنه كان أول عضو مجلس تشريعي تقدَّم رسميا في 22/11/1943 م بمذكرة للمجلس يطالب
فيها المجلس بوضع تشريع لحماية حقوق العمال ومنحهم تعويضات إذا لحق بهم ضرر أثناء
العمل ومداواتهم (معالجتهم) على نفقة الحكومة أو على نفقة صاحب العمل سواء كانت
شركة أم رجل أعمال, وأن تدفع له مياوماته كاملة أثناء مداواته على غرار نظام موظفي
الحكومة, وقد جاءت مذكرة العمــاري بمثابة إحياء لمحاولة سابقة من خارج المجلس أشار
إليها كتاب " الفكر السياسي في الأردن 1916 م - 1946 م " لمؤلفه الأستاذ الدكتور
علي محافظة الذي ذكر أن أول مطالبة جدّية لتنظيم العمال الأردنيين في نقابات عمالية
جاءت في مذكرة قدمها السيد محمد يوسف السعودي باسم عدد من رفاقه العمال إلى المجلس
التشريعي في الإمارة في 20/1/1937 م لتشكيل نقابات عمَّالية, ولكن المجلس الذي قدمت
إليه المطالبة لم يقبل بتوصيات اللجنة فبقي العمال من دون قانون يحمي حقوقهم
ويمنحهم حرية تأسيس نقاباتهم.
وقوبلت مذكرة عضو المجلس التشريعي السيد عيسى العوض بمعارضة شديدة من كثير من أعضاء
المجلس الذين كانت لهم مشاريع ومزارع يعمل فيها عمال أردنيون, وتزعَّم حملة
المعارضة عضو المجلس التشريعي محمد الأنسي الذي كانت تتردَّد اشاعات عن وجود علاقة
له بالوكالة اليهودية, ومن المؤسف أن غالبية المجلس التشريعي إنحازت لأصحاب العمل
وقرر أن لا حاجة لوضع تشريع لحماية العمال, ولم يصدر طوال عهد الإمارة قانون ينظم
أمور العمال ويحمي حقوقهم.
قبل تسعين عاما .. شيوخ عشائر الأردن:
خطر الهجرة الصهيونية يهدِّد الأمة العربية كلها
شغل الخطر الصهيوني على عروبة فلسطين حيزاً كبيراً من اهتمامات الشرق أردنيين منذ
بدايات ظهور معالم المخططات الصهيونية المدعومة من بريطانيا التي كانت في تلك
الفترة أكبر الدول الاستعمارية, وكان اهتمام الشرق أردنيين بالقضية الفلسطينية
مثلما كان اهتمامهم بكل قضايا العرب كقضية الاحتلال الفرنسي لسورية ولبنان والجزائر
والمغرب وتونس, وقضية الإحتلال الطلياني لليبيا, وقضية الاحتلال الإنجليزي للعراق
ومصروالسودان التي كانت تخضع للاستعمار البريطاني مع فلسطين وشرقي الأردن, وكان هذا
الإهتمام ترجمة حقيقية صادقة لما كان يسيطر على الشرق أردنيين من روح إسلامية
وعروبية ووحدوية.
وقد بدأ إهتمام الشرق أردنيين بقضية فلسطين مبكرا بعد صدور وعد وزير خارجية
بريطانيا اللورد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين, حيث يذكر كتاب "القيادات
والمؤسَّسات السياسية في فلسطين 1917-1948" لمؤلفته الباحثة بيان نويهض الحوت أن
مشايخ شرقي الأردن بعثوا في 8/5/1920م برقية إلى المندوب السامي البريطاني يؤكدون
فيها أن فلسطين أرض مقدسة ويرفضون أن يغتصبها الدخلاء (اليهود), ويطالبون فيها بوقف
الهجرة الصهيونية إلى فلسطين, ويؤكدون أن خطر الهجرة الصهيونية لا يهدِّد فلسطين
وحدها, وإنما يتهدد كيان الأمة العربية كلها, وأنهى شيوخ شرقي الأردن برقيتهم بهذه
العبارات: " لا يسعنا نحن عربان شرق الأردن إلا أن نسارع لنصرة إخواننا الفلسطينيين
الذين يئنون تحت عبء الاستعمار الصهيوني الفظيع لأنهم إخواننا في الدين والوطن
والمبدأ واللغة".
ووقع البرقية الشيخ عوده أبو تايه والشيخ حمد بن جازي والشيخ حسين الطراونة والشيخ
غيث بن هدايا والشيخ سليم أبو دهيك والشيخ سليمان بن طريف والشيخ حمد بن حاتم
والشيخ سالم النسعة والشيخ حامد الشراري.
في مؤتمر " قــمْ " (1920 م) تجسَّدت
وحدة النضال الوطني الأردني الفلسطيني.
في 6 / 4 / 1920 م تجاوب رجالات العشائر الأردنية مع دعوة الشيخ ناجي العزَّام شيخ
ناحية الوسطية في شمال الأردن فعقدوا مؤتمرا وطنيا في بلدة "قــمْ" القريبة من إربد
مؤتمرا وطنيا شارك فيه العديد من مناضلي الحركة الوطنية الفلسطينية في تجسيد عملي
للوحدة الوطنية الفلسطينية, وفي ترجمة عملية لقناعة الشرق أردنيين بأن الخطر
الصهيوني يستهدف شرقي الأردن مثلما يستهدف فلسطين, وقد تمخَّض مؤتمر "قــمْ" عن
قرارات تكشف عن النضج والوعي السياسي والوطني الذي كان يتمتع به أجدادنا وآباؤنا,
ومن هذه القرارات:
1) مناصرة ثورة الشعب الفلسطيني ودعمها بالمال والسلاح.
2) إعلان الثورة ضد الإنجليز في شرقي الأردن.
3) تفويض المجاهد علي خلقي الشرايري لإعلان الثورة بالتنسيق مع الجمعية الفدائية
الفلسطينية.
4) تشكيل لجنة لجمع الأموال وشراء السلاح.
وشارك في المؤتمر من رجالات شرقي الأردن الشيخ ناجي العزَّام, وكايد المفلح
العبيدات (أول شهيد شرق أردني على ثرى فلسطين), والدكتور محمد صبحي أبو غنيمة,
والشيخ عقاب ظاهر المقداد, والشيخ محمد الغزاوي, والشيخ سليمان السودي الروسان,
والشيخ مشوح أبو لبن, والشيخ بشير الغزاوي, والشيخ حسن عبد الوالي, والشيخ راشد
الخزاعي الفريحات, ومن رجالات الحركة الوطنية الفلسطينية شارك في مؤتمر " قــمْ "
السادة رافع الفاهوم إرحيل الكفاونة ويوسف عبد الخالق الحايك ومحمد المغربي ومحمود
شتيوي ومحمد السكجي ومحمد محمود الزعبي.
وقد أثار إنعقاد مؤتمر "قــمْ" بمشاركة مناضلين فلسطينيين غضب الإنجليز واليهود,
فسارع الإنجليز بتحريض من اليهود إلى إعتقال عدد من شيوخ الأغوار في مقدمتهم الشيخ
محمد الزيناتي ونقلوهم إلى سجن بيسان, فشنَّ رجالات العشائر هجوما على السجن قاده
الشيخ بشير الغزاوي وحرَّروا الشيخ الزيناتي ورفاقه, وكان من الطبيعي أن يثير نجاح
العشائر الأردنية بتحرير المعتقلين مزيدا من غضب الإنجليز فشنوا عليهم هجوما شاركت
فيه الطائرات, وتمكن المناضلون من الإنسحاب إلى جبال عجلون حيث أنضمَّ إليهم المزيد
من المناضلين, ولم يلبث أن خاض المناضلون معركة سمخ الشهيرة (أواخر نيسان 1920م)
بقيادة أردنية فلسطينية مشتركة تمثلت بالشيخ كايد المفلح العبيدات والمناضل يوسف
الحايك, وفي هذه المعركة تضمَّخ ثرى فلسطين في موقع " تلال الثعالب " بدماء أول
كوكبة من الشهداء الشرق أردنيين, الشيخ كايد المفلح العبيدات وشقيقه فندي المفلح
العبيدات وسلطان العبيدات, وجميعهم من كفرسوم, وفندي القفطان من الرفيد. |