أخبار إربد

 
 

محطات.. في ذاكرة إربداوية - بقلم: زياد أبو غنيمة - الحلقة الثانية
نقلاً عن العرب اليوم

قالوا تدمشقَ قلتُ لا يزالُ على        علاته اربدي اللون حوراني

الحلقة الثانية

موكب النصر الأندلسي يمرُّ بإربد في طريقه إلى عاصمة الخلافة الأموية
في عهد الخلفاء الأمويين بقيت إربد ضمن منطقة جند الأردن التي كانت عاصمتها مدينة طبريا, وكانت إربد نقطة الوصل بين طبريا وبين دمشق الشام عاصمة الخلافة الأموية, والأرجح أن إربد تشرَّفت بمرور موكب النصر الأندلسي الذي كان على رأسه القائدان البطلان موسى بن نصير وطارق بن زياد في طريقه إلى دمشق عاصمة الخلافة, ويذكر المؤرِّخ مصطفى مراد الدبَّـاغ في كتابه"بلادنا فلسطين"أن البطلين موسى بن نصير وطارق بن زياد بعد أن فتح الله عليهما الأندلس (إسبانيا) أبحرا من إشبيليه في موكب كبير من السفن مصطحبين حوالي 400 من الأسرى من أفراد العائلة المالكة القوطية والنبلاء والقادة, ووصل موكب النصر إلى القيروان في المغرب في أواخر عام 95 الهجري (714م), ثم غادرها إلى مصر, ثمَّ إلى طبريا عاصمة جند الشام,ومع أن الدبَّـاغ لم يذكر المدن والقرى التي مر بها الموكب في طريقه إلى دمشق إلا أن وقوع إربد وجوارها كنقطة وصل بين طبريا ودمشق يرجِّـح أن الموكب مرَّ من إربد في طريقه إلى دمشق, حيث إستقبل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك في المسجد الأموي موكب النصر الأندلسي, ويقول المؤرِّخ فيليب حتــي في وصف إستقبال موكب النصر الأندلسي في دمشق :"كان ذلك اليوم مشهودا من أيام النصر في تاريخ الإسلام, إذ لم يسبق أن شوهد مثل هذا العدد من الأسرى من أمراء الغرب ونبلائهم وقادتهم ذوي الشعور الصهباء وقد جاءوا يعلنون خضوعهم لخليفة المسلمين".

الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك بنى قصرا له في إربد
وكانت إربد وجوارها ملاذا للراحة والإستجمام لبعض خلفاء بني أمية, فكان ليزيد بن عبد الملك الخليفة الأموي الذي خلف الخليفة التقي الورع عمر بن عبد العزيز قصر في اربد ينزله كلما أراد وتقول بعض المراجع أنه بناه في بيت راس القريبة من إربد التي كانت تشتهر بكروم العنب, وتقول بعض الروايات أن يزيد توفي في هذا القصر في رمضان من عام 105هـ (كانون الثاني 724م), ثم حمل جثمانه من اربد ودفن في دمشق.

إربد في عهد الخلافة العبـاسية
يذكر الدكتور يوسف غوانمه في دراسته أن إربد أصبحت في عهد الخلافة العبـاسية تابعة لجند الأردن وفلسطين, ويذكر أن أهالي شرقي الأردن ومنهم أهالي شمال الأردن كانوا أكثر تعاطفا مع الخلافة الأموية وقاموا بعدَّة ثورات ضد الخلفاء العباسيين.

إربد في عهد الدولة الفاطمية والدولة الإخشيدية
في عهد الدولة الطولونية التي أسَّسها أحمد بن طولون بقيت إربد تابعة لجند الأردن وفلسطين حتى عام 321 للهجرة (933م) حيث بسطت الدولة الإخشيدية بزعامة محمد بن طغج بن الإخشد سيطرتها على جند الأردن وفلسطين, وفي عام 358 للهجرة (968م) دخلت إربد مع جند الأردن وفلسطين تحت سيطرة الدولة الفاطمية بزعامة جوهر الصقلي, ثم أصبحت تحت سيطرة الدولة السلجوقية التي بسطت نفوذها على كل بلاد الشام.

إربد في مرحلة الحروب الصليبية
في مرحلة الحروب الصليبية كانت منطقة إربد ممرا لجيوش المسلمين القادمة للتصدِّي لجيوش الفرنجة, ففي عام 506 هجرية (1112م), أي بعد 13 سنة من إستيلاء الفرنجة على القدس الشريف, عسكرت جيوش الأمير شرف الدين مودود صاحب (حاكم) الموصل, والأمير ظهير الدين طغتكين صاحب (حاكم) دمشق في منطقة الإقحوانة (شمال إربد) في طريقهم إلى قتال بغدوين ملك مملكة القدس الصليبية. ويذكر الدكتور يوسف الغوانمه أن أهالي إربد والجولان وجنوب الأردن كانوا يدفعون ثلث نتاج مزروعاتهم إلى الفرنجة الصليبيين بموجب معاهدة عقدها بلدوين الأول ملك مملكة القدس الصليبة مع صاحب (حاكم) دمشق ظهير الدين في عام 502 للهجرة (1108م), واستمر ذلك حتى عام 583 للهجرة (1187م) عندما أجرى الله عزَّ وجلَّ النصر للمسلمين في معركة حطـين بقيادة البطل الإسلامي الكردي صلاح الدين الأيوبي, ويذكر الدكتور الغوانمه أن إربد كانت ممرا لجيوش صلاح الدين حتى لم يبق شبر في إربد وما حولها (كانت المنطقة تعرف باسم"الأقحوانة"لم تدسه سنابك خيول جنود صلاح الدين في طريقها لتحرير بقية أرجاء فلسطين من المحتلين الفرنجة, وقد تشرَّفت إربد وجوارها (منطقة الأقحوانة) بإقامة صلاح الدين فيها خمسة أيام على رأس جيشه قبل أن يقوده عبر نهر الأردن"الشريعة"ليحرِّر طبريا, ثمَّ ليلتحم بجيوش الفرنجة في معركة حطـين في يوم الجمعة المبارك 24/ربيع الآخر/583 هجرية (4/7/1187 م) ويلحق بهم هزيمة نكراء في اليوم التالي, ليمضي إلى القدس الشريف لتحريرها.

إربد تعاني من وحشية هجمة التتار (جنكيز خان)
تعرَّضت إربد كما تعرَّضت ديار المسلمين لوحشية الهجمة التتارية بقيادة هولاكو, وكانت إربد ممرا لجيوش المماليك القادمة من مصر إلى بلاد الشام للتصدي للتتار الذين لم يلبث أن انزاح خطرهم بعد هزيمتهم المنكرة في معركة عين جالوت أمام المسلمين بقيادة السلطان قـطـز في يوم الجمعة المبارك 25/رمضان المبارك/658 هجرية (3/9/1260 م).

إربد في العهد المملوكي
كانت إربد في عهد المماليك تابعة لنائب (حاكم) دمشق, وعندما أقام الظاهر بيبرس ملك مصر والشام, المتوفى سنة 676هـ (1277م) خطا سريعا من المحطات للحمام الزاجل والأبراج لنقل الأخبار بالإشارات بين العراق ومصر بطريق فلسطين كانت إربد واحدة من هذه المحطات, وكان هذا الخط الذي كان مركزه على تل إربد على جانب عظيم من الانتظام والسرعة في نقل الأخبار بين أجزاء المملكة الواسعة الأرجاء, ويروى أن أي حدث كان يطرأ فيما بين النهرين كانت تصل أخباره إلى السلطان الظاهر بيبرس في القاهرة خلال اثنتي عشرة ساعة.

وفي عهد المماليك, بقيت إربد إحدى محطات توزيع البريد بين مصر وبلاد الشام بوساطة الحمام الزاجل, حيث كانت هذه الحمائم تحمل الرسائل من مصر إلى غزة ومنها إلى اللد فقاقون فجنين, ومن جنين إلى دمشق عن طريق طبرية بيسان - إربد - طفس - الصنمين - دمشق.

إربد تعاني مجددا من وحشية هجمة المغول (تيمورلنك)
وتعرَّضت إربد كغيرها من مناطق بلاد الشام في عام 803 للهجرة (1400م) لوحشية الهجمة التتارية الجديدة بقيادة تيمورلنك, ويذكر الدكتور الغوانمه أن جنوده قتلوا بوحشية حوالي 450 من أهالي قرية حبراص القريبة من إربد.

إربد في العهد العثماني
بعد نجاح السلطان العثماني سليم الملقب بالصاعقة في ضم البلاد العربية إلى الدولة العثمانية الإسلامية في عام 1516م, أصبحت منطقة شرقي الأردن كغيرها من البلدان العربية تابعة إداريا وتشريعيا للدولة العثمانية, وكانت منطقة شرقي الأردن مقسَّمة في العهد العثماني إلى عدة سناجق (جمع سنجق ويقابلها بالعربية كلمة قضاء), وتوزعت هذه السناجق أو الأقضية على النحو التالي كما ورد في الكتاب الوثائقي"تاريخ الأردن في القرن العشرين"لمؤلفيه الأستاذين منيب الماضي وسليمان الموسى:

1- قضاء عجلون ومركزه مدينة إربد, وكان يضم نواحي الكورة وبني جهمه والسرو والوسطية وبني عبيد والكفارات وجبل عجلون وجرش, ولم تكن الرمثا المحيطة بها تابعة لقضاء عجلون, فقد كانت تتبع لقضاء حوران, أما منطقة غور الأردن الشمالي فكانت تابعة لقضاء طبريا.

2- قضاء البلقاء ومركزه مدينة السلط, وكانت عمان والجيزة تتبعان لقضاء البلقاء.

3- متصرفية الكرك, ويبدو أن العثمانيين الأتراك كانوا يولونها اهتماماً أكبر من اهتمامهم ببقية المناطق في شرقي الأردن فقد جعلوا الكرك في تقسيماتهم الإدارية متصرفية ولم يجعلوها قضاء كمنطقتي عجلون والبلقاء, وكان مركز متصرفية الكرك مدينة الكرك.

4- أما منطقة العقبة فلم تكن في العهد العثماني تعتبر شرق أردنية فقد كانت تتبع أحياناً لمصر, وأحياناً لسوريا, وكانت في آخر العهد العثماني تابعة إدارياً للمدينة المنورة.

وكانت شرقي الأردن في العقود الأخيرة من العهد العثماني جزءاً من ولاية سوريا, وكان لولاية سوريا مجلس ينتخبه الأهالي يُطلقُ عليه إسم"المجلس العمومي لولاية سوريا", وكان هذا المجلس بمثابة مجلس نواب خاص لولاية سوريا, وكان الشيخ عبد القادر التل من وجهاء عشيرة آل التل في إربد ممثلا لشمال الأردن في المجلس العمومي الأول لولاية سوريا (1908م), وكان المحامي نجيب الشريدة"المخزومي"الذي كان قد إتخذ من إربد سكنا له ممثلا عن شمال الأردن في المجلس العمومي الثاني لولاية سوريا (1912 م), ولم يحالف الحظ في انتخابات المجلس العمومي الثاني لولاية سوريا (1912م) كلا من صالح المصطفى اليوسف التل ومصطفى حجازي وعلي خلقي الشرايري وهم من وجهاء عشائر إربد.

إربد في عهد ظاهر العـمر الزيداني (حاكم عكـا)
عندما خضعت عكا ومعظم فلسطين للشيخ ظاهر العمر الزيداني (1730 م) في فترة تراخى فيها نفوذ الدولة العثمانية في فلسطين, أرسل ظاهر ولديه أحمد وسعيد إلى إربد فاستولوا عليها وأخضعوها لسلطة أبيهم الشيخ ظاهر العمر, والجدير بالذكر أن عشيرة التلول (آل التل) الإربداوية يلتقون في جذورهم مع الزيدانيين.

إربد في عهد الحكومة العربية الفيصلية (دمشق)
في صبيحة يوم السابع والعشرين من شهر أيلول من عام 1918م إنسحب الجيش التركي المرابط في شمال الأردن من إربد, ثمَّ تبعه في الإنسحاب مارا من إربد الجيش التركي المرابط في فلسطين الذي كان بقيادة الجنرال مصطفى كمال أتاتورك الذي ألغى فيما بعد الهوية الإسلامية لتركيا واستبدلها بالهوية العلمانية, ولم تلبث أن أصبحت إربد مع غيرها من مناطق شرقي الأردن تحت سيطرة المستعمرين الإنجليزالذين إنتدبتهم "عصبة الأمم" لسدِّ الفراغ الذي حصل بعد خروج الجيوش التركية, وكرد فعل على النوايا الاستعمارية الإنجليزية إلتقى في 7/6/1919 م في دمشق ممثلون منتخبون لأقطار سوريا الطبيعية (سوريا, لبنان, فلسطين, شرقي الأردن) في اجتماع حاشد أطلقوا عليه اسم "المؤتمر السوري" ومثل إربد وجوارها في المؤتمر السيد عبد الرحمن الرشيدات (إربد) والشيخ سليمان السودي الروسان (بني كنانة) والشيخ ناصر الفواز البركات الزعبي (الرمثا), وفي 7/3/1920 م اتخذ المؤتمر السوري قراراً بإعلان استقلال سوريا الطبيعية وإعلانها مملكة عربية عاصمتها دمشق الفيحاء حاضرة بني أمية, ونادوا بالأمير فيصل بن الحسين بن علي ملكاً عليها, وفي 8/3/1920 م أصدر الملك فيصل بن الحسين إرادة ملكية بتشكيل أول حكومة برئاسة علي رضا الركابي العراقي الأصل, وقد كان لرجالات إربد وجوارها دور كبير في تأسيس الحكومة العربية الفيصلية وفي إشغال مناصب هامة فيها, فقد عيـنت الإدارة العسكرية للحكومة العربية القائمقام علي خلقي الشرايري حاكما عسكريا لشرقي الأردن, وعندما بدأت تظهرُ في الأفق استعدادات المستعمرين الفرنسيين للقضاء على العهد الفيصلي وحكومته العربية كان من بين الإجراءات المضادة التي اتخذتها الحكومة العربية نقل القائمقام العسكري علي خلقي الشرايري ليكونَ قائدا عسكريا لمنطقة القنيطرة ذات الموقع الإستراتيجي على طريق دمشق, وكان ذلك في ما بين عامي 1919م و 1920م, ولم يطل الأمر حتى كشَّـر الحلفاء الفرنسيون وبتواطؤ من الحلفاء الإنجليز عن نواياهم العدائية للأمة العربية متنكـرين لوعودهم وعهودهم التي قطعوها للشريف الحسين بن علي بمساعدة العرب على تأسيس دولة عربية موحَّدة, ففي 24/7/1920 م واجه جيش الدولة العربية الفيصلية الناشئة بقيادة البطل العربي يوسف العظمه جحافل الاحتلال الفرنسي بقيادة الجنرال المغرور غورو, وصمدت القلة المؤمنة أمام القوة الغاشمة المدجَّجة بأحدث الأسلحة والمعدات صمودا بطوليا, ولكن القوة الغاشمة غلبت الفئة المؤمنة التي سقط غالبية أبطالها شهداء يضمِّخون أرض سوريا العزيزة بدمائهم الطاهرة يتقدمهم بطل أبطال ميسلون القائد يوسف العظمة.

وفي اليوم التالي لمعركة ميسلون كانت جيوش المحتلين الفرنسيين تدخل دمشق بقوتها الغاشمة, واستبسل أهل دمشق في مواجهة المحتلين ولكن القوة الغاشمة عادت لتغلب الفئة المؤمنة, وسرعان ما وجه الجنرال الفرنسي المغرور غورو إنذاراً للملك فيصل بن الحسين بمغادرة سوريا, ولم يكن أمام الملك فيصل إلا مغادرة دمشق بعد أن أصبحت تحت قبضة المحتلين الفرنسيين, فغادر دمشق في 28/7/1920 م إلى درعا ومنها واصل سفره إلى حيفا بالقطار, وبقي في حيفا إلى 18/8/1920 م حيث غادرها إلى بريطانيا, وأخذ المستعمرون الفرنسيون يطاردون رجالات الحركة العربية الذين ساهموا في تأسيس الحكومة العربية في سوريا, وكان علي خلقي باشا الشرايري الذي أصبحت رتبته أمير لواء أحد الذين حكمت عليهم المحكمة العسكرية الفرنسية بالإعدام بتهمة مقاومة الجيوش الفرنسية, وبتهمة التخطيط للثورة ضدَّ السلطة الفرنسية في سوريا, وبتهمة تحريض المواطنين ضدَّ المستعمرين الفرنسيين, وإلى جانب القائمقام علي خلقي الشرايري كان العديد من الضباط من أبناء إربد قد إلتحقوا بجيش الحكومة العربية الفيصلية ومنهم القائد خلف محمد التل "أبو هاجم/أبو معن"والقائد محمد علي العجلوني والملازمون أحمد التل"أبو صعب"وخليل ظاظا وعمر المغربي والملازم الثاني مبروك المغربي, وقد أشار الأمير المؤسِّس عبد الله بن الحسين في مذكراته المنشورة أن هؤلاء الضباط ومعهم رفاقهم الضباط الميرالاي غالب الشعلان والقائد عبد القادر الجندي والملازمون بهجت طبارة ونور الدين البرزنجي ومنيب الطرابلسي التحقوا به عند قدومه من الحجاز إلى معان, وقد شكّـل هؤلاء الضباط الذين كانوا من رجالات الحركة الوطنية العربية فيما بعد النواة الأولى لجيش الإمارة الأردن.


 تعليقات القراء - الآراء والتعليقات المنشورة تحت هذا السطر تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أخبار إربد"


التاريخ لا يتوقف والزمن بلدوزر


 أضف تعليق:

 
التعليق: