|
حماس أهالي إربد وجوارها
لتأسيس دولة عربية في شرقي الأردن
أجَّجَ تنكـرالإنجليز والفرنسيين لوعودهم وعهودهم للعرب بمنحهم حرِّية تأسيس دولة
عربية توحِّـدُ بلدانهم وشعوبهم إذا وقفوا بجانبهم ضد الأتراك المشاعر العروبية في
أهالي شرقي الأردن, كما ساهمَ هذا الغدرُ في انبعاثِ المشاعر الوحدوية أيضا كردِّ
فعل على قيام الإنجليز والفرنسيين بتقطيع أوصال البلاد العربية إلى عدَّة دويلات
بوجب إتفاقية سايكس بيكو التي فرضها المستعمرون الإنجليز والفرنسيون, ووجدت هذه
المشاعر المتأجِّجة متنفسا لها عندما وصل الأمير عبد الله بن الحسين بن علي في
الثاني من آذار من عام 1921م إلى عمّان قادما من معان التي كان قد وصلها في
21/11/1920 ليبدأ في تأسيس الدولة الأردنية تحت إسمِ إمارة شرقي الأردن, وكان أهالي
إربد وجوارها من أشدِّ المتحمِّسين لتأسيس دولة عربية في شرقي الأردن على أمل أن
تكون نواة لوحدة البلاد العربية, وترجم أهالي إربد وجوارها حماسهم لتشكيل دولة
أردنية عروبية تضم كل مناطق شرقي الأردن بالإعلان عن حلِّ الحكومة المحليَّة التي
كانوا قد شكلوها برئاسة القائمقام ( أمير اللواء ) علي خلقي باشا الشرايري بعد
إسقاط المستعمرين الفرنسيين للدولة العربية الفيصلية في دمشق, وكانت مشاعر الشرق
أردنيين العروبية والوحدوية وراء إطلاق إسم " حكومة الشرق العربي " على الإمارة
الأردنية.
وعندما كلف الأميرالمؤسِّس عبد الله بن الحسين الرئيس رشيد طليع اللبناني الأصل
الذي ينتمي لعشيرة بني معروف الدرزية, والذي كان رئيساً للفرع الأردني لحزب
الاستقلال العربي بتشكيل أول حكومة أردنية, لم يُثِر هذا التكليف أية حساسيات لدى
أهالي شرقي الأردن, فقد كانت تسودهم الروح الوطنية العروبية التي تؤمن بوحدة الأمة
العربية وبوحدة الوطن العربي, وكانت مشاركة شخصيات عربية من بلدان مختلفة في حكومة
إمارة شرقي الأردن أمراً عادياً, وقد ساهم في تقبُّـل هذه الظاهرة ما كان سائدا في
حينه من إطلاق اسم سوريا الطبيعية على ما يعرف اليوم بسوريا ولبنان وشرقي الأردن
وفلسطين, فمنذ أيام الفتح الإسلامي ومروراً بكل العهود التي مرت بها المنطقة
العربية, وانتهاء بالعهد العثماني كان النبض الشعبي, وخاصة في فلسطين وفي الأردن,
لا يفرِّق إطلاقا بين فلسطين وبين شرقي الأردن, فقد كانت المشاعر في شرقي الأردن
وفي فلسطين مشاعر إسلامية, وعروبية, ووحدوية, تعتبرسوريا ولبنان وشرقي الأردن
وفلسطين بلدا واحدا يُطلق عليه اسم " سوريا الطبيعية", ويذكر أبناء جيلي أن كتب
التاريخ والجغرافيا التي درسناها في تلك الحقبة لم تكن تتحدث عن بلدين اسم أحدهما
فلسطين واسم الآخر شرقي الأردن, ولكنها كانت تتحدث عن بلد واحد إسمه " سوريا
الجنوبية ", أحد جناحيه إسمه فلسطين, والجناح الآخر إسمه شرقي الأردن, وعن بلد واحد
إسمه سوريا الشمالية أحد جناحيه إسمه سوريا, والجناح الآخر إسمه لبنان.
ولذلك لم تكن مشاركة شخصيات سوريا أو لبنانية أو فلسطينية في حكومات الإمارة تثير
أية حساسيات, وكان الأمير عبد الله بن الحسين, وانطلاقاً من الوحدة الجغرافية
والتاريخ الواحد والعقيدة الواحدة والمستقبل الواحد التي تربط بلدان سوريا الطبيعية
ببعضها يخاطب المواطنين مستعملاً عبارة " يا أبناء سوريا " كما فعل في أوَّل خطاب
وجهه لأهالي شرقي الأردن عند وصوله من معان إلى عمان.
ولم يكن الرئيس رشيد طليع الذي كان رئيسا لحكومتين (11/4/1921م), (5/7/1921م)
الشخصية العربية الوحيدة التي ترأست حكومة أردنية, فقد كلف الأميرالمؤسِّس عبد الله
بن الحسين العديد من الشخصيات العربية لتشكيل حكومات أردنية وهم: الرئيس مظهر رسلان
الذي ينتمي إلى عائلة سوريا, والرئيس علي رضا الركابي الذي ينتمي لعشيرة الركابي
العراقية, والرئيس حسن خالد أبو الهدى الصيَّادي الذي ينتمي إلى عائلة سوريا من
بلدة خان شيخون القريبة من حلب, والرئيس الشيخ عبد الله سراج الذي قدِم مع الأميرمن
الحجاز إلى معان ثم إلى عمان, وكان أول وآخر رئيس حكومة معمَّمٍ في تاريخ الدولة
الأردنية.
وشارك في حكومات الإمارة العديد من الوزراء من الشخصيات العربية, ومنهم الوزير أحمد
مريود الذي ينحدر من عائلة سوريا في الجولان السوريا يقال إنها على علاقة قرابة
بعشيرة المهيدات الأردنية, والوزير حسن الحكيم الذي ينحدر من عائلة سوريا دمشقية,
والوزير رشيد المدفعي التي تعود جذور عائلته التي استقرَّت في السلط إلى عائلة
المدفعي المعروفة في العراق, والوزير محمد الأنسي الذي ينحدر من عائلة سوريا من
منطقة حلب, وتردَّد في حينه أنه كان يرتبط بعلاقات بالوكالة اليهودية, والوزير مسلم
العطار الذي ينحدر من جذور سوريا, والوزير محمد الشريقي الأديب والخطيب المفوَّه
الذي ينتمي إلى عائلة سوريا من مدينة اللاذقية, والوزير الشيخ محمد الخضر الشنقيطي
الذي قدم مع الأميرالمؤسِّس من الحجاز إلى معان ثم إلى عمان, وتعود جذوره إلى بلدة
شنقيط في موريتانيا التي تشتهر بكثرة علمائها, والوزير الشيخ أحمد السقـاف الذي قدم
مع الأمير من الحجاز.
الإربداوي علي خلقي الشرايري
أوَّل وزير شرق أردني في حكومات الإمارة
عندما شكل الزعيم العربي اللبناني الدرزي رشيد طليع أوَّل حكومة في عهد الإمارة
الأردنية في 11/4/1921 م, لم يجد الشرق أردنيون العروبيون الوحدويون غضاضة في أن
تضمَّ الحكومة وزيرا واحدا فقًط من أبناء شرقي الأردن من بين وزرائها الثمانية,
وكان هذا الوزير من أهالي إربد وهو القائم مقام علي خلقي باشا الشرايري, وقد أثارَ
اختيارُ الرئيس رشيد طليع للقائمّقام علي خلقي باشا الشرايري مشاوراً للأمن
والانضباط أستياء سلطات الانتداب البريطاني في شرقي الأردن وفلسطين بسبب مواقفه
المعادية للسياسة البريطانية, وزاد من استيائها اختياره ليكون مشاوراً للأمن
والانضباط وهو منصبٌ يوازي في أيامنا وزارة الداخلية, وقد تجلى هذا الاستياء من
خلال الوثيقة التي تحتفظ بها دار الوثائق البريطانية فـي الملف رقم (ؤ.خ 2/732
C.O), ونشرهـا المؤرِّخ سليمان الموسى فـي كتابـه " وجوه وملامح ", حيث حملت
الوثيقة نصَّ برقيةٍ أرسلها المندوب السامي البريطاني في فلسطين هيربرت صموئيل
(اليهودي الأصل) إلى وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل يبلغه فيها بتعيين علي
خلقي باشا الشرايري مديراً للأمن العام في الإمارة, فردَّ تشرشل ببرقيةٍ أكدَ فيها
عدم ارتياحه لتعيين علي خلقي الشرايري في هذا المنصب الخطير, وأشار إلى أنَّ ذلك
التعيين سيثيرُ الفرنسيين الذين يرون في علي خلقي الشرايري واحداً من أخطر أعدائهم,
وطلب تشرشل من المندوب السامي البريطاني هيربرت صموئيل أن يرجو الأمير عبد الله
بإعادة النظر في تعيين علي خلقي مشاوراً للأمن والانضباط (وزير داخلية).
الوزراء الشرق أردنيون في حكومات الإمارة
خلت حكومات الإمارة الأردنية الثانية والثالثة والرابعة والخامسة من أي وزير شرق
أردني, وفي الحكومة السادسة عاد الوزير الإربداوي القائمقام علي خلقي الشرايري
ليشغل المنصبَ الوزاري للمرَّة الثانية في حكومة الرئيس حسن خالد أبو الهدى
الصيَّادي السوري الأصل المشكـلة في 5/9/1923 م ناظرا للمعارف (وزيرا للمعارف).
وعادت الحكومة السابعة والثامنة لتخلو من وزير شرق أردني, ثمَّ تولى الشيخ عوده
القسوس الهلسه (الكرك) المنصب الوزاري في الحكومة التاسعة برئاسة حسن خالد أبو
الهدى الصيَّادي, ثمَّ في الحكومة العاشرة برئاسة الشيخ عبد الله سراج الذي كان
أوَّل وآخر رئيس حكومة أردنية مُعمـم, وتولى معه في نفس الحكومة منصب مدير الآثار
السيد أديب الكايد العواملة (السلط), وزاد عدد الوزراء الشرق أردنيين في الحكومة
الحادية عشرة برئاسة السيد إبراهيم هاشم المشكلة في 18/10/1933م إلى أربعة وزراء من
أصل ستة وزراء, وهم السيد سعيد المفتي حبجوقة (عمَّان), والشيخ عوده القسوس الهلسه
(الكرك), والشيخ هاشم خير(عمَّان), وكان منهم أحد رجالات جوار إربد الشيخ قاسم محمد
الهنداوي.
قاسم الهنداوي أوَّل وزير يستقيل
إحتجاجا على ممارسات الحكومة التي يشارك فيها
في 30/7/1934م قدَّم قاسم الهنداوي إستقالته من حكومة إبراهيم هاشم ليكون أوَّل
وزير في حكومة أردنية يستقيل من الحكومة بمحض إرادته, ولم تتكرر هذه الظاهرة بعد
ذلك إلا في حالات نادرة, ويمكنُ اعتبارَ استقالة الوزير قاسم الهنداوي من الحالاتِ
القليلةِ التي تُمثـل الاستقالةَ الحقيقيةَ التي تستند إلى قناعةِ الوزير, ويمكن
اكتشاف ذلك من الإطــلاع على نصِّ كتاب الاستقالة التي جاء على النحو التالي:
فخامة رئيس المجلس التنفيذي (مجلس الوزراء)
لمَّا كانت الخُطـة التي سارت عليها حكومتـكم منذ الأسبوع الثاني لتشكيلها تسيرُُُ
مع الأهواء الخاصَّة, وتبتعدُُُُُ عن مصلحةِ البلاد الحقيقية كلَّ البعدِ, فإنني
أرى الواجبَ يدعوني أن لا أزيدَ في نكبةِ الأمَّةِ بالسيرِ معكم, ولهذا أقدِّمُ
استقالتي من الحكومة.
وزراء إربد وجوارها في حكومات الإمارة
ومن رجالات إربد الذين شغلوا المنصب الوزاري في حكومات الإمارة المحامي عبد الرحمن
الرشيدات الذي تولى منصبَ وزير المواصلات في حكومة الرئيس توفيق أبو الهدى
المشكَّلة في 19/5/1943م وأُقيل منها في 13/7/1944م, والقائدُ خلف محمد التـل (أبو
هاجم / أبو معن) حيث شغل منصبَ مدير الإدارة (وزير الداخلية) في حكومة الإمارة
الثانية عشرة برئاسة السيد توفيق أبو الهدى المشكلة في 28/9/1938م, وكان قد شغل
مناصبَ عسكريةٍ ومدنيةٍ قبل ذلك, وكان من قادةِ ثورة الجولان ضدَّ الفرنسيين
المحتلين.
ويُشيرُ الأستاذ محمود سعد العبيدات في كتابه " المجاهد خلف محمد التـل " الذي يروي
قصةَ حياةِ خلف التـل إلى أنـه على الرغم من عدم التأكدِ من انتمائه التنظيمي لأيٍ
من الأحزابِ في تلك الفترة فإنه كان في طروحاته وأفكاره وممارساته أقرب ما يكون
لحزب الاستقلال المعارض, ولو لم يثبت أنَّه كان عضواً رسمياً بالحزب, ويُعزِّزُ هذه
الفرضية أنَّ خلف التـل حصل على إجازةٍ رسميةٍ من وظيفته بوزارة الداخلية في عام
1937م لينضمَّ إلى وفدٍ مؤلفٍ من (39) من رجالات الحركة الوطنيَّة الأردنيَّة
غالبيتها محسوبة على حزب الاستقلال للمشاركة في "المؤتمر القومي العربي لنصرة
فلسطين " الذي انعقد في بلودان بلبنان في 8/9/1937م لنصرةِ القضية الفلسطينية,
واختتم جلساته في 10/9/1937م بإصدار بيانه الختامي مؤكداً فيه عروبةِ فلسطين, رفضِ
التقسيم, والمطالبة بإلغاءِ وعد بلفور, وبوقفِ الهجرة اليهودية إلى فلسطين, وهذه
المطالب كانت من المحاورِ والطروحاتِ التي كان حزبُ الاستقلال يتبنــاها.
ومن المؤشِّرات التي تؤكدُ تعاطفَ الوزير خلف التـل مع الطروحات الوطنية التي كانت
أحزابُ المعارضة الوطنية في تلك الحقبة تتبنَّـاها وخاصةً حزب الاستقلال ما تواتر
في اكثرِ من روايةٍ عن تعاطف الوزير خلف التل أثناء إشغاله مناصبَ في الحكومة,
وخاصةً عندما تولى وزارة الداخلية في حكومة الرئيس توفيق أبو الهدى المشكلة في
28/9/ 1938م, فقد كان رغمَ حساسية موقعه كوزير للداخليةِ يبعث بزوجته السيدة خديجة
صالح المصطفى التل (أم معن) لتزورَ زوجاتِ شخصياتٍ وطنيةٍ كانت الحكومة تصدرُ
قراراتٍ بإلقاء القبض عليهم لتحذيرهم في وقت مبكـر ليتوارَوا عن الأنظار قبل أن
يوقـع مذكرات الإعتقال بحقهم.
وإلى جانب السيد خلف التل فقد شارك في حكومة السيد توفيق أبو الهدى أحد رجالات جوار
إربد السيد نقولا غنما (الحصن) في منصب النائب العام الذي كان بمثابة وزارة العدل,
وشغل السيد نقولا غنما منصب وزير التجارة والزراعة في حكومة السيد توفيق أبو الهدى
المشكـلة في 25/ 9/1940م, وشارك إلى جانبه في نفس الحكومة أحد رجالات جوار إربد
الشيخ علي الكايد العتوم (جرش), وعاد السيد نقولا غنما ليشغل منصب وزير المالية
والإقتصاد في حكومة السيد توفيق أبو الهدى المشكـلة في 29/ 7/ 1941م, ثمَّ شغل منصب
وزير التجارة والزراعة في حكومة السيد سمير الرفاعي المشكـلة في 15/ 10/1944 م,
وشغل نفس المنصب في حكومة السيد إبراهيم هاشم المشكـلة في 19/ 5/,1945 ثمَّ تولى
منصب وزير المالية والإقتصاد في تعديل جرى على الحكومة في 8/ 9/,1946 وكانت هذه
الحكومة آخر حكومة في عهد الإمارة الأردنية.
ومن رجالات جوار إربد شارك الشيخُ عبد الله كليب اليوسف الشريدة في حكومةِ الرئيس
توفيق أبو الهدى المشكـلة في 29/7/1941م وزيراً للتجارة والزراعة, وقدَّم استقالته
من الحكومةِ في 17/11/1942م, وشارك في حكومةِ الرئيس أبو الهدى المشكـلة في
4/5/1954م وزيراً للدولةِ اعتباراً من 8/5/1954م حيث أُضيف للحكومة بعد أن تبيَّن
أنها كانت تخلو من ممثلٍ لشمال الأردن. |