أخبار إربد

 
 

هكذا تحدث رأفت عزّام عن موته
 24 كانون أول 2007   -  مقال بقلم الكاتب جميل النمري
 

"أنا لم أجرّب الموت رميا بالرصاص.. وعلى أية حال لا أريد الموت بهذه الطريقة..

وأنا لم أجرّب الموت شنقا.. ومع أنني شاهدته عدّة مرّات إلا أنني لا أريده..

لم تطحن عظامي الدبّابات ولا الجرّافات ولا سيارة يقودها أحمق.. وهنا أيضا لا أطيق الموت بهذه الطريقة.

هناك طريقة حديثة وهي قديمة أيضا.. الطعن في الصدر أو البطن وأماكن أخرى أو ضرب الرقاب، أي ذبح الإنسان كالدجاج والخراف والبقر والجمال وربما الخنازير.

لم أجرّب الموت بالجلطة الدماغية أو القلبية.. موت الدماغ أفهمه جيدا.. لكن موت القلب سيخلف ألما مرعبا للدماغ..".

"كيف أختار الليلة موتي؟".

هذا النصّ كتبه رأفت عزّام ليلة الأربعاء الماضي، وفي الصباح مات بجلطة قلبية. صباح الخميس ذهب لطبيب صديق وقال له أعتقد أن لدي أعراض جلطة وقبل أن يصعد الى السرير سقط متوفىً. مرّر لي صديق هذا النصّ المذهل في جلسة عزاء أول من أمس، وانعقد لساني! هل أن قلب رأفت أوجعه ليلا فناجى الموت بهذا النصّ مستمهلا اياه حتّى الصباح؟ حتّى لا يزعج أحدا!

هو لم يكن يزعج أحدا أو يطلب لنفسه شيئا. كان يكتب القصّة القصيرة ويحفر على الخشب ويعزف على العود ويثمل مع الأصدقاء.

زوربا اربد، كما سمّاه الصديق الشاعر أمجد ناصر، لم يكن ينافس على شهرة أو مناصب أو دور لكنه كان يحضر في أيّة مظاهرة أو تجمع أو تحرك. كان يريد الأشياء لذاتها ويتحمّل الفقر والقسوة كضريبة لنمط حياةٍ اختارته أن يكون هكذا، وإلا من يتولّى اعطاء الأصدقاء وقتا خارج الطحان وقول الأشعار الجميلة والعزف على العود واسترجاع الشيخ إمام وإهداء المنحوتات بلا مقابل؟

لا أذكر أين رأيته أول مرّة، لكن الحدث الأول المحفور في ذاكرتي كان جنازة المرحوم أخي الشهيد الصحافي ميشيل. أتيح لي الخروج من السجن من أجل الجنازة التي كانت تسير بصمت ولم يعجب ذلك رأفت فأخذ بالهتاف للشهيد.

كنّا نتصادف هنا وهناك خلال السنوات الماضية وكان ثمّة وعد دائم للمشاركة بسهرة عندهم هناك في اربد، نفس الوعد لآخرين من الجو نفسه، الجو الثقافي التقدمي الذي كان "النبلاء الصعاليك" كما يسمّيهم يوسف ضمرة ملحه وبهاراته.

نعتقد دائما أن ثمّة متسعا من الوقت من أجل الأشياء الحميمة الجميلة، مثل سهرة بوجود رأفت لكن رأفت رحل بغتة، وقد كان معلما لا تتخيل اربد بدونه، خسارة لا تعوّض، ونحن نوغل في اللاانتباه.

فاتنا أن نسبق الموت ولو من أجل سهرة واحدة معك. ولم تترك للموت أن يباغتك قبل أن تناقش أمره معك أيها العزيز.


 أضف تعليق - لن يتم نشر الأراء غير الهادفة

 
التعليق:

 تعليقات القراء - الآراء والتعليقات المنشورة تحت هذا السطر تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أخبار إربد"


لك مكان عزيز في الذاكرة يا رأفت، رغم اني لم التقيك الى لساعات، لكنها كانت كافية لقلبك الثائر ان يعلن عن نفسه. خذلك قلبك يا زوربا، لكن ذاكرتنا لن تفعل ذلك، فاسمك سيظل محفوراً هناك ما حيينا. لو مشيت في جنازتك سأهتف لك


يعني هذه حال ابن ادم ياخذه الموت على حين غره لكن الشاطر اللي بعمل لبعدين خايف من بعدين