أخبار إربد

 
 

شطنا: حنين الوادي.. ولهفة السّيل! .. بقلم : إبراهيم السواعير
بقلم : إبراهيم السواعير * شاعر وصحفي أردني
 9 تشرين ثاني 2007

شطنا... خُذيني؛ واستوي وطنا
وذري العييَّ ليستوي فطنا! .
يا يوسفُ!
أنتَ منذ اليوم، والأمس، ومنذ تسعينَ ولّت من العمر أو يزيد!...فاحفظ لهذه الأرض هيبتها تجدها تجاهك، واعلم أنّ المحن وصروف العاتياتِ لا بدّ تتكسر خائبةً على الهمّة العالية، والموقف الصّعيبِ، والجسد المتسمّرِ؛ الراسخِ في الصميم!
ويا عيسى!
خُذ درعَ المهرجانِ بقوّةٍ، واختزلْ!... ثمّ.. قلِّبْ بعينيكَ الطيّبتينِ يومَ التكريم مائةَ عام وزدها سبعاً؛ بل جاوز بها الموتَ قدر ما تستطيع!...

قُلتُ للواقف بجانبي، ومثله أربعة آلاف ما بين راجلٍ وراكب: ما شأن ذلك العجوز، المتهالك، المغالب قسوة الأيام، المُجهد نفسَه، المُحمّلها ما لا تطيق*!... ثمّ ما باله يشقّ الجموع*!... ومن ذاك الذي يفرح لمرأى رفيقه، وترقص في عينهِ طيوفُ الرجاءِ*!.

قال: الأولُ عيسى النويصر الدّحابرة ؛ أرّخ للحرب الأولى، بل كان من مواليدها!... أما هذا الفرِحُ المتأمّلُ فهو يوسف السليمان قندح ... وكلاهما من قرامي شطنا: عاشا في مرابعها، وظلاّ على العهد، واليومَ يكرّمهما المهرجانُ: وفيّينِ، مُعمّرينِ؛ لم يُساوما على أرضهما مقدار باع!

مهرجان القمح والزيتون ... المُقامُ في دورته الأولى، الموزّع بين الحصن وشطنا، أتاح لنا فرصة التّعرف على القرية التي كانت تضجّ بالحياةِ؛ على حدّ تعبير زميلنا سلامة جدعون ابو مازن : حيثُ مرابع الصبا، ومواسم الحصاد، و الشلايا المتحدّرة من رؤوس القلال ساعة الظهيرة، وحداء الرّعيانِ، ودبكات الشباب، وافراح الصبايا، وأحزان الفقد!
قال أبو مازن؛ مستذكراً شبابه: لعلك تدري، أو لعلّك لا تدري أيّ شجنٍ يتلبسني حين تجتاحني رائحة البيادر؛ وقد كنتُ حظيتُ بكلّ تلك التفاصيل:
قريةٌ تستلقي نشوانةً على ذراعيّ محافظتين: عجلون غرباً جنوباً، وإربد شرقاً شمالاً؛ وهي اليوم من أعمال لواء بني عبيد بإربد، يتضخم في جنباتها السنديان والبطم، ويمتدّ سهلها المترامي باتجاه النعيمة وكتم. ويرتبط أهلوها بالدّم والنسب: (قندح، وسواقد، وبشارات، وعيّاش، ودحابرة، وفاخوري، وجبارة، وجدعون، ومعايعة، وحداد).. ويتوزّع جلُّ هؤلاء في إربد والزرقاء وعمّان آلافاً مؤلّفة؛ أما من آثروا البقاء فيها فلا يتجاوزون المائة وثمانين نسمة، ولا أدري أهيَ الدراسةُ، أم العمل، أم.... جعلت القرية الوادعة، الساحرة تغمض جفنها كلّ مساءٍ على عتابٍ بعيد، وربما خوفٍ من القادم القريب!.

شطنا غابة زيتونٍ، وسنديان، وبلوط، وبطم... مدخولها الزراعة، وما تيسّر من ماشيةٍ، وقد مدت هذا البلد بأطباء ومهندسين ومتعلمين، ويكفيها فخراً اليوم أنّ ياسر عيّاش انتُخب فيها أولّ مطرانٍ عربيٍّ أردنيٍّ للروم الكاثوليك!
وشطنا.. شأنها شأنُ بقية القرى الأردنية تضرب جذورها، موغلةً في القدم، فيها ثلاث كنائس: واحدة للاتين، وأخرى للكاثوليك، والثالثة للروم الأرثوذكس؛ أما بيوتها فتتأرجح بين الحداثة والقديم، وتدلّ بيوتٌ عمّرت طويلاً على مائة عامٍ ما زالت صامدةً لا تلين أمام المدنيّة الزاحفة، والشوارع الطامعة، ومقتنيات البيت الحديث!
يقول أبو مازن: موجعٌ أن يغادر الإنسان مرابعَ صباه في سبيل الرزق؛ ولكنّ ما يهوّن أنّ لنا داراً هناك، تمنحنا كلما ألحّ بنا الشوق وجذبتنا رياح الحنين، هدوءاً نفتقده في زحمة الحياة، وروتين الوظيفة وشهوة الحياة.

ولمّا سألنا ابنَ شطنا، الزميلَ ماجد جبارة، روى لنا تاريخ القرية بإشارته إلى أن اولّ من سكن شطنا هم آل دحابرة، القادمون من عين جنّا؛ وهؤلاء- على حدّ تعبير زميلنا- كانوا طلبوا من السلطات العثمانية في ذلك الحين بلدةً خاصة بهم؛ فكانت شطنا، الموحي اسمها ب الشطط وهو( حبل دلو الماء)؛ وما ذاك إلا لوفرةٍ في الآبار التي تتشرب ما تجمعه السيول والأمطار. وبحسب جبارة فإنّ كهوفاً يدعى الواحد منها مغارة تحيل المتجوّل بينها إلى عهود رومانيةٍ وبيزنطية سحيقة. ويضيف زميلنا أنّ آل قندح، والبشارات وآل عيّاش وفدوا إلى القرية من العباسية في الشام، وقدم إليها بطبيعة الحال آل سواقد وجدعون ؛ في حين أن آل جبارة قدموا من قرية صمد و أزرع في سهل حوران، وسكن بعضهم الحصن؛ وهكذا امتلأت القرية حياةً ونسباً وقربى وأبناء عم.

وبالرغم من أن ماجداً، الزميل، يحزن للهجرة المخيفة من القرية؛ غير أنه يبررها بإجازاتٍ وشهاداتٍ في الطبّ والهندسة جعلت مبدعيها يبحثون عن استثمار التخصص والشهادة؛ فكان أن توزّعوا بين عمان والزرقاء وإربد والمفرق؛ ويذكر جبارة أن عدداً ليس يسيراً سكن الزرقاء وانخرط في الجيش العربي، جندياً من جنوده، فلا ريب- والقول للزميل جبارة - أن تكون شطنا ولوداً للقياديين وأصحاب الشأن العلمي والفكري إلى جانب إخوانهم في بقية قرانا ومدننا الأردنية، مضيفاً أنّ جمعية أبناء شطنا كانت بادرةً مخلصة لمدى حنين وتقدير أبنائها لها؛ وهي جمعية استلزمتها فترة الثمانينيات من القرن العشرين، وهي معنيّة بدعوة أبناء القرية للعودة، وتسعى اليوم لبناء إسكاناتٍ بجوارها للراغبين من ذوي الدخل المحدود تيمناً بمبادرة جلالة الملك. ويذكر، كذلك، أنّ الشيخ موسى الفرح قندح والخوري موسى دحابرة والشيخ موسى الذيب سواقد كانوا من رجالات شطنا المعدودين؛ مورداً أشعاراً لعرار- شاعر الأردن- في كروم القرية وكرم أهلها الطيبين.

شطنا التي تقترب من إربد باثني عشر كيلو، ومن النعيمة بخمسة كيلو مترات، ومن كتم بثلاثة، يذكر الزميل أن فيها كهفاً، يدعى مغارة مفتاح ؛ وقد كان يرتاده قاطعو الطريق، والفارّين، وهم يستأنسون بشجر القرية، وكثرة مغايرها !.... وقد سمعنا أنّ عيسى رزق الله جبارة و فالح الذيب قندح وآخرون، كان الواحد منهم في بدايات العشرينات من القرن المنصرم رجلاً أسطورياً، لا يهاب: يتجرّد من ملابسه، ويتخفف من ثقيلها، ثمّ يخرج على الناس ممتطياً الضبعَ؛ وفي أحيان كثيرة يسحبه من ذيله، والضبع مستسلمٌ ورع!

وبعد،،
فيا شطنا ذكرتني بناعور، مسقط الرأس ومهوى الفؤاد... ويا عيسى جبارة.. ذكرتني بوادي أبو سليط وبطولات أهله؛ وذكرتني بكلّ هاتيك الخوالي، وأيامّ جدّتنا صبحا العيد السلمان ؛ التي كانت تُحْكم وثاقَ الضبعِ قرب المضارب في حسبان؛ ظنّاً منها أنه ليس غير حمارٍ؛ ليكشف عن هويته نباحُ الكلاب، ولعاب فكّيه!
ويا شطنا!.....لكم ذكرتني بما قلته بناعور ذات ليلٍ بعيد:
ناديتها جزعاً لمّا المجيب نعى
لمّا المجيب نعى، ناديتها جزعا!
صرارُ أرضكِ يدري كم تعبتُ وذي
موارسُ القمحِ، كم أشبعتها وجعا!
فكيف يفرح من يأتيكِ منتشياً
ليحبسَ الدمع مثنياً بما رجعا
إن تذكري فاذكري، أو تحجمي فأنا
زرعتُ فيكِ عفيرَ الشعر فانزرعا!