أخبار إربد

 
 

طقوس قطاف الزيتون ورصع الكبيس يجمع العائلة ويحيي روابطها
تاريخ الخبر : 24 تشرين أول 2007
مصدر الخبر : الغد - سلافة الخطيب - لوحة قطف الزيتون للفنان اللبناني يوسف مطر

لم ينتظر الستيني ابو محمد الزعبي هطول زخات تشرين الدافئة لتغتسل اشجار الزيتون المعمرة في مزرعته معلنة بدء موعد القطاف. فمنذ ساعات الصباح الباكرة يستيقظ الحاج ابو محمد محدقا انظاره بكرم الزيتون الممتد على مساحة 5 دونمات، متلهفا لجني ثمار اشجاره التي طالما حظيت برعايته منذ ان غرسها قبل اعوام طويلة. اما زوجته فلم تنس اعداد سلة من الطعام للعائلة من اجل اعانتهم على سد جوعهم وعطشهم خلال ساعات العمل في القطاف والممتدة منذ شروق الشمس الى غروبها.

تتجمع العائلة صغيرها وكبيرها في نهاية الاسبوع لتبدأ حملة القطاف وبحوزتهم معدات القطاف من سلالم وفراش واكياس الخيش. يقول الحاج ابو محمد انه بدأ ترقب ثمار اشجاره منذ مطلع الشهر الحالي، منتظرا تلونها بالسواد، حتى يبدأ عملية القطاف، لافتا الى ان ما تم قطافه من ثمار منذ بداية الشهر الحالي تستخدمه العائلة للكبيس حيث تكون حبيبات الزيتون ما زالت مخضرة ونضرة. وتتضافر جهود العائلة منذ اليوم الاول من القطاف ولعدة ايام متتالية، وتتوزع الاعمال بين افراد الاسرة، ففي الوقت الذي يقطف فيه الصبيان ما تحمله الاغصان البعيدة من ثمار، تقوم الفتيات بقطف تلك التي تتدلى قريبا من الارض. وبعدها يأتي دور الاطفال بعد عودتهم من المدرسة لمشاركة الاهل في تجميع حبات الزيتون المتناثرة على الارض.

ويحرص الحاج ابو محمد على الانتهاء من القطاف خلال ايام معدودة حرصا منه على عصر الزيتون بعد القطاف مباشرة لضمان جودة ونوعية الزيت المستخرج. سرعة الانجاز تتطلب من العائلة العمل بنشاط مع الحرص على عدم الحاق الضرر بأغصان الشجر وتجنب استخدام العصا في عملية القطاف.

وتصبح عملية القطاف لدى المزارعين اكثر سهولة ويسر مع افتراش قطع من القماش تحت اشجار الزيتون لتحتضن الثمار التي تبدا بالتساقط اثناء القطاف .

وتعتمد غالبية من العائلات في محافظة جرش على ما تنتجه كروم الزيتون من مادة الزيت لتسد به احتياجاتها المنزلية على مدار السنة، فيما يعرض الفائض من "تنكات الزيت" للمتاجرة. الى ذلك، تحرص العائلات على تحضير مونة المنزل من " الكبيس" بشكل يسد احتياجاتها السنوية، خاصة وان طبق "الزيتون" يعد وجبة فطور اساسية لأغلبية العائلات في جرش.

وينتظر المزارع ابو خالد محاسنة ما وصفها بـ "شتوة الغسلة" المتوقع هطول امطارها في نهاية الشهر الحالي للبدء بعملية القطاف، مشيرا الى انها تساهم في غسل اشجار كرمه لتزيل ما علق على أوراقها وثمارها من غبار يعيق عملية القطف ويتسبب بتحسس العيون.

ويضيف ابو خالد انه انتهى من جمع حبات الزيتون المتساقطة على الارض والتي تدعى بـ " الجوال " منذ مطلع الشهر الحالي، لافتا الى ان تساقطها يعود لاصابتها بالجفاف الامر الذي يجعل من الزيت المستخرج منها غير صالح للاستهلاك، نظرا لارتفاع نسبة الحموضة فيها. ويقوم ابو خالد كغيره من المزارعين بعصر " الجوال" في معاصر يدوية. ويقوم اخرون يبيع ما تنتجه الثمار الجافة من زيوت لمصانع مختصة بصناعة الصابون فيما يقوم البعض بعصرها مع ما تنتجه اشجاره من ثمار ناضجة الامر الذي يؤثر على نوعية الزيت المستخرج ويجعل من طعمه اكثر حموضة.

وفي الوقت الذي يجهل فيه مزارعون كيفية العناية بثمار الزيتون بعد قطافها، يقوم ابو خالد وعائلته بنثرها على سطح منزله في نهاية يوم القطاف لتعريضها الى اشعة الشمس مع حرصه على " تذريتها " من وقت الى اخر للتخلص من اوراق الزيتون وتجنب اصابتها بالرطوبة. وبعد ان تنتهي عائلة ابو خالد من عملية القطاف التي قد تستغرق اكثر من 4 ايام تتعاون الايادي في تفريغ الثمار بأكياس من الخيش استعدادا لارسالها للمعاصر.

وتحتفل العائلة مع وصول اول "تنكة" زيت من المعصرة بإعداد طبق "المسخن" الذي يعتمد تحضيره على كميات كبيرة من زيت الزيتون.

وتعد شجرة الزيتون بالنسبة للحاج ابو خالد وغيره من المزارعين شجرة عطاء وارث وطني يحرص المواطنون على زراعته في مزارعهم وحدائق منازلهم الضيقة، حتى ان اصحاب القصور عمدوا في السنوات الاخيرة لشراء اشجار الزيتون الرومية المعمرة وغرسها في ساحات قصورهم للتباهي بها.

ويتشارك المزارعون في مثل هذا الوقت من كل سنة جملة من طقوس القطاف التي تعيد العائلة للتواصل مع الارض بعيدا عن مشاغل الحياة العملية ومظاهر الحضارة، فضلا عن احيائها لروابط الالفة والمحبة بين افراد الاسرة والجيران الذين يقضون معظم اوقاتهم في القطاف وسط اجواء تسودها الاحاديث المتبادلة.

وكما تجتمع العائلة على مائدة الافطار في شهر رمضان فإن موسم القطاف يجمع افراد العائلة على موائد الطعام التي تتخلل ساعات القطاف ، حيث تفترش العائلات " الحصائر " ويتنادى افراد العائلة للتجمع على المائدة لتناول ما يعينهم على الاستمرار في العمل.

ويفرض اعداد " زيتون الكبيس" طقوسا منزلية اخرى تتجدد في كل موسم حيث تجتمع العائلة ويتعاون صغيرها وكبيرها لرصع حبات الزيتون باستخدام احجار الصوان.


 تعليقات القراء - الآراء والتعليقات المنشورة تحت هذا السطر تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أخبار إربد"


 أضف تعليق

 
التعليق: