|
إن الحديث عن علي خلقي الشرايري
هو حديث عن شخصية وطنية ناضلت في سبيل هذا الوطن وحماية عروبته ، ووقفة ضد
الاستعمار أينما وجد في الوطن العربي ، ليس حباً في الحرب والقتال وإنما من أجل
حرية الوطن والإنسانية ، فالحرية في مفهومة قيمة وهدف.
ولد علي خلقي في اربد عام 1878 في مغارة جده ، والولادة في المغارة معروفة في
عقيدتنا وفي معتقدنا لها مكانة خاصة في حياتنا لعدة أسباب: أنها تعطي فكرة ودلالة
عن الحياة التي أتى إليها هذا المناضل الكبير وهي حياة أسرة فلاحية يولد لها هذا
الابن في مغارة تفرح له ولا تدري ما الذي سيكونه هذا الطفل الذي يولد في هذه
المغارة المتواضعة من أملاك جده.
هذه الأسرة اقتضت أن يعمل علي خلقي الشرايري في نشأته مع والده في الزراعة بحكم
البيئة والمجتمع والجو الاجتماعي الذي كان يعيشه والده لكن الغريب في هذا البداية
البسيطة جداً لإربد التي لم يكن بها غير الكتاب ، ينزع هذا الطفل إلى التعليم ويشعر
بعدم الارتياح إلى العمل في الزراعة ، لا لأنه يكره الزراعة بدليل أنه بعد أن تقاعد
عاد إلى العمل في الزراعة ولكن لأن في نفسه طموحاً كبيراً للتعليم ورغبة جامحة لهذا
التعليم لفهمه منذ صغره ووعيه إلى أن التعليم هو أساس التقدم والرقي وأن الدور الذي
يتطلع إليه علي خلقي الشرايري لا يمكن أن يقوم به إلا أن يؤهل نفسه بالتعليم ، فطلب
من والده أن يذهب إلى المدرسة وعن طريق إقناع والدته لزوجها أو لوالده أرسله إلى
مدرسة كانت تعرف باسم صاحبها "أبو الضباع" وهو من آل الخطيب الكرام كانت مدرسة
متواضعة وهي كتاب ، بعد ذلك عرض على والده أن يذهب إلى المدرسة الرشيدية في دمشق
ولكن والده لحاجته إليه لم يرغب في ذلك وحاول أن يمنعه من هذا ، لجأ إلى طرفة جميلة
جداً لأنه ذكرها في مذكراته ، حيث أخذ بغلة عند والده كان يستعملها للحراثة
والزراعة وغير ذلك وباعها في درعا في سوريا وذهب بثمنها إلى دمشق ودخل المدرسة
الرشيدية ، غاب مدة الدراسة وعاد يحمل شهادة المتميز جداً من هذه المدرسة ، عندما
عاد علي خلقي ، كان في نظر الناس الذي اخذ دابة والده وباعها ليتعلم ، فاصبح يتطلع
إليه أهل اربد بنظرة احترام وتقدير لهذه الشخصية الفذة العصامية القوية ذات الموقف
والرأي التي حققت ما تريد.
ويضيف الدكتور خالد الشرايري عن الجو الاجتماعي قائلاً: بأن الطموح الذي يعتل في
نفس الجندي الراحل علي خلقي الشرايري كان يرى نفسه أنه هيئ لحياة غير هذه الحياة
فعافها ، ولذلك بحث لنفسه عن جو لإكمال دراسته على الرغم من معارضة والده لأن
الحياة يفرض الأهل أن أبناءهم يعاونونهم في فلاحة الأرض على اتساعها والأملاك على
إدارتها ، لكن علي خلقي رأى في نفسه أنه منذور لمهمة أخرى لا يمكن أن يكملها إلا في
التعليم.
أما عن العمل العسكري في حياة علي خلقي الشرايري ودوره في الجمعيات السرية في تركيا
فقد مر بمحطات متعددة في مراحل ، حتى في العديد من الدول العربية كالعراق ، وليبيا
، والحجاز ، والأردن ، والشام. إن توجه علي خلقي الشرايري للميدان العسكري والسياسي
لم يكن عفوياً فهو كان يعرف نفسه ويدرك نوازعه منذ الطفولة والدليل على ذلك أنه بعد
أن أكمل الدراسة في المدرسة الرشيدية في دمشق عرض على والده أن يذهب إلى استنبول
ليدرس في المدارس العسكرية هناك باعتبارها مدارس قوية ومهيأة بمثل هذا الطموح.
هذه المرة والده لم يعارض بل سعى إلى مساعدته لأنه لمس النجاح ، ووافق له على ذلك
وهيأ له كافة الظروف فذهب إلى استنبول والتحق بمدرسة الاستانة الحربية بسهولة ،
أهلته إلى ذلك شهادته الممتازة وقوة شخصيتة وإرادته وعصاميته ، تخرج من هذه الكلية
عام 1902 برتبة ملازم ثاني ، بعد تخرجه من كلية الاستانة التحق بكلية المدفعية
وتخرج منها برتبة ملازم أول عام 1905 كان عسكرياً ملتزماً مطبقاً للتعاليم بصورة
حرفية ، وهذا يدل على احترامه للمسؤولية والواجب ، وقد أدى هذا بأن قام المسؤولون
الأتراك بكتابة وإعداد تقارير عن مسلكيته في العمل مما أدى إلى ترقيته بصورة سريعة
واحتل مكانة مرموقة في الجيش التركي ، وفي 1905 ـ 11 ـ 1 نقل من استنبول إلى الفرقة
51 في الدردنيل والقوقاز وتركستان وكانت تحارب الجيش الروسي وعين قائداً للسرية
السابعة "المدفعية" وكان يتمتع بكفاءة عسكرية عالية حقق فيها انتصارات على الجيش
الروسي منحته قيادة الأركان بناءً على التقارير المقدمة عنه وسام الشجاعة من
المرتبة الأولى ورفعته إلى رتبة رئيس أول ، وفي 1906 ـ 6 ـ 6 نقل إلى قيادة
المدفعية في الفرقة 51 نفسها ، وبتاريخ 1907 ـ 11 ـ 11 تم نقله إلى قيادة الفرقة 14
المتمركزة في لبنان وسوريا والأردن ورفع إلى رتبة قائم مقام عسكري.
وفي عام 1908 ، صدرت الأوامر العسكرية بنقله إلى اليمن لإخماد الثورة التي أعلنها
الإمام يحيى ضد السلطات العثمانية ، حيث كانت هذه الثورة بداية لضعضعة الأتراك في
اليمن وتولى علي خلقي الشرايري وصديقه عزيز علي المصري المفاوضة وانتهى الأمر
بإعطاء الإمام يحيى سلطات جوهرية في اليمن مهمة وتقديم منحة مالية كبيرة لمساعدته
في ممارسة هذه السلطات في اليمن بعد اليمن انتقل إلى ليبيا عام 1911 للمشاركة
بالحرب الدائرة ضد الجيوش الايطالية وكان معه عزيز المصري ونجيب البطاينة الذي
استشهد هناك عام 1912 وكانت ولايتا طرابلس وبنغازي قد سقطتا في يد الايطاليين عام
1911 واضطرت تركيا أن تتنازل عن سيادتها عن هاتين الولايتين وعاد إلى استنبول في
صيف 1913.
وأضاف الدكتور خالد الشرايري معلومة قد تكون فاتت الكثيرين من تسميته أن اسمه علي
خلقي وهو ليس اسماً مركباً ، هو اسمه علي لكن خلقي أضيفت من الأتراك وذلك لأن خلقه
العسكري وانضباطه والتزامه حببت الأتراك به ورؤساءه فمنحوه لقباً اسمه خلقي كما
منحوه وسام الشجاعة مند ذلك الوقت أضيف إلى اسمه فأصبح علي خلقي ، هذه الصفة الطيبة
أضيفت على اسمه وشخصيته.
أما عن علاقته بالثورة العربية الكبرى وعلاقته بالشريف حسين طيب الله ثراه فقد كان
الشريف حسين يبحث عن القادة العرب الذين لهم تأثير بالجيش العثماني فذكر علي خلقي
كواحد من هؤلاء وعزيز علي المصري فعلي خلقي لدماثة خلقه ولأهميته ودوره في الجمعية
العربية الفتاة مما قوى القناعة لدى المغفور له الشريف حسين فأرسل في طلبه وفي عرض
فكرة الانضمام إلى الثورة وكان حين ذاك حاكماً عسكرياً في مكة ورحب بالفكرة كثيراً
وأثر على الضباط العرب الذين معه وكان في الحامية التركية التي كان يرأسها كثير من
الجنود العرب وأقنعهم بان ينضموا إلى الثورة العربية للخلاص من نير الحكم التركي
لأن الأتراك بالغوا في اضطهاد العرب وفي هضم الكثير من حقوقهم فكان علي خلقي رحمه
الله ملبياً لدعوة الشريف حسين ووافق على الانضمام إليه وقال أن الحامية التركية
الموجودة بمكة كلها تناصر وتؤازر الشريف حسين وبالتالي أوعز الشريف إلى الأمير فيصل
آنذاك بأن علي خلقي انضم إلى الثورة العربية الكبرى حينذاك.
أما دور علي خلقي في الحكومات المحلية فقد كان هناك حكومات محلية من أهمها حكومة
إربد التي ترأسها علي خلقي في ذلك الوقت ، فقد كان علي خلقي الشرايري بصحبة الملك
فيصل فشعر بأن الأمر يستوجب تنظيم القوة العسكرية في الشمال الأردني ، حيث عاد علي
خلقي إلى اربد ، ونتيجة للمؤتمر الذي عقد في أم قيس تم الاتفاق على إنشاء هذه
الحكومة المحلية واجمع وجهاء عشائر مدينة إربد بعد أن عادوا هؤلاء الوجهاء إلى اربد
، واتفقوا على تكوين مجلس شورى يمثل الأهالي ، تألف من: علي خلقي الشرايري رئيساً
للوفد ، وتركي الكايد عبيدات ، وقودير سليمان عبيدات ، ورشيد العلي عن الكفارات ،
ومحمد الحمود ، وعقلة نصير ، ومحمود نصير ، وسالم الهنداوي عن بني جهمة ، وعبد
الرحمن ارشيدات ، وخلف التل ، وعبد الرحمن الشرايري ، ومصطفى حجازي عن إربد ، وكان
خلف التل المنسق العام للمؤتمر وكان من المقربين لعلي خلقي الشرايري في حكومة إربد
، وسليمان السودي الروسان ، وبشير مفلح الروسان ، وصالح الملكاوي عن منطقة السرو في
الشمال ، وناجي العزام ، وفالح السليم ، وطلال المحمد عن الوسطية ، وأحمد المريود
عن الجولان وحوران. وهذه صفة تميز به علي خلقي في حياته السياسية أنه لم يقتصر في
تطلعاته على الأردن فقط بل كان يهدف إلى القضايا التي تخص الأمة العربية ، والدليل
على ذلك أنه لم يكن يتطلع لتحرير الأردن بل كان يتطلع إلى تحرير سوريا أيضاً ووجود
أحمد مريود من سوريا ضمن هذا الوفد وضمن حكومة علي خلقي الشرايري دليل على تطلعه
ونهجه القومي العربي.
وبعد عودتهم إلى اربد يوم 1920 ـ 9 ـ 5 شكلوا هذه الحكومة ، ويضيف محمود فضيل التل
قائلاً: أنا اعتقد أن هذه الحكومة كانت أرضية للإمارة لأنها هيأت الظروف لتكوين
حكومة لهذه المنطقة ، والدليل على أنها هيأت لحكومة إمارة شرق الأردن ، أن أحد
البنود التي اتفق عليها الوفد ، كان تأسيس حكومة عربية وطنية مستقلة برئاسة أمير
عربي والأمير العربي هو الأمير عبدالله بن الحسين.
وتحدث الدكتور خالد الشرايري عن علاقة على خلقي بالملك المؤسس قائلاً كانت العلاقة
التي كانت تربط المغفور له الملك المؤسس عبدالله الأول مع المرحوم جدي حميمة ووثيقة
حيث كان ينزل في بيتنا في زيارته إلى اربد ، وفي غرفة خاصة به ، ومن وفاء علي خلقي
للملك المؤسس بأنه أغلق هذه الغرفة بعد استشهاد ولم يسمح لأحد باستخدامها.
ويقول الأستاذ محمود فضيل التل بشخصية علي خلقي بأنها شخصية فذة عظيمة ذات طموح لم
تسعه حياته بكاملها وقد كان صادقاً مع نفسه ومع مسؤولياته في الدولة العثمانية ومع
القضايا العربية القومية.
لقد اثبت علي خلقي الشرايري أنه الرجل المخلص للأمة وعروبتة طمح للأردن أن يكون
موحداً كجزء من الأمة العربية ، وكان همه حماية الأردن من الاحتلال البريطاني ، فقد
قال: أن هموم البلاد أكبر بكثير من همومنا الشخصية رحم الله اللواء علي خلقي
الشرايري. |