شقق للايجار متفرقات شقق للبيع أرض للبيع سيارات للبيع أخبار إربد الرئيسية

« Newer August 6, 2011 « older

قبل رمضان بأيام لبيت دعوة على وليمة فرح لأحد الاصدقاء العاملين بالحقل الاقتصادي، وكان المدعوون ما يقرب من مئتين شخص من المثقفين والاقتصاديين وواجهات اجتماعية عديدة من ابناء محافظة اربد، وكانت الوليمة في الهواء الطلق والكل يعرف ان الليل في اربد له سحر وجمال وفتنة، قل ان يوجد في مدن اخرى لأن سهل اربد منبسط ومفتوح، يصلك هواء البحر الابيض المتوسط رطبا هنياً.

وفي الوليمة كان الحديث شهياً، وجذاباً كل مجموعة تتحدث حديثها الخاص، ووجد في حفل الوليمة مجموعة من المنشدين الذين يضربون على الدفن ويشنفون الآذان بروائع المدائح النبوية الشريفة التي تنقلها السماعات الى كل الحاضرين.

وتقدم الى الميكروفون احد الشيوخ، الذي انطلق بحديث يطلق البشائر للحاضرين، بأن عهد الفقر سيولي للأبد، وان الهيمنة الامريكية على العالم في الطريق الى الزوال خلال اسابيع وعلى الاكثر قبل نهاية هذا العام، وان روما سيتم فتحها كما بشر رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، حيث بشر بفتح القسطنطينية، فان روما لا بد ان تفتح وتدخلها خيول المسلمين وراياتهم خفاقة، ويستمر شيخنا في حديثه المتفائل، ويقول مبشرا الحضور ان الخلافة الراشدة ستعود الى العالم أواخر عام 2012، حيث يتولى الامر خليفة يقيم في الارض كتاب الله وسنة رسوله، وينشر العدل، ويقضي على الظلم العالمي، وعندها يدخل الناس في دين الله أفواجا.

لو وقف الامر عند هذا الحد من الحديث لقلت ان الشيخ يحلم حلم اليقظة وهذا من حقه، ولو وقف عند العموميات التي ذكرت لقلت متفائلا والتفاؤل بمستقبل طيب مقبول ولكن الشيخ يمضي في حديثه مبررا ما قاله وانه مبني على حقائق ثابتة لا مجال لانكارها او تجاهلها فهذه الولايات المتحدة الامريكية اكبر اقتصاد في العالم، واكبر قوة عسكرية عرفها تاريخ البشر تتهاوى، لأن اقتصادها الكبير يعيش ازمة خانقة قاتلة لن تتمكن من الخروج منها الا بسقوط هذه الدولة العظمى، وانفصال الولايات التي تتألف منها الولايات المتحدة، بحيث تتفتت الدولة العظمى وتصبح كل ولاية دولة لوحدها تعادي الولاية المجاورة لها، ولا بد ان تندلع الحروب بين الولايات المتحدة ولذلك فان الاقتصاد الامريكي سينهار وتتحول من دولة غنية جداً الى دولة فقيرة جداً.

ودلل على صحة قوله اضطراب الأسواق المالية، وضغط الاقتصاد الاوروبي، وثقل المديونية التي ترهق الدولة، وتقدم الصين الاقتصادي المنافس للولايات المتحدة، وبشر الشيخ الحاضرين انه في حال سقط الاقتصاد الامريكي، فان ثروات العرب ستعود للعرب ولا سيما ان الربيع العربي يزحف، وعند ذلك فان الأعطيات وتوزيع الاموال، على كل العرب والمسلمين سيكون بالترليونات!! بالترليونات!! لا بالألوف ولا بالملايين؟ وسنودع الفقر للأبد.

فقال احد الحاضرين من فمك الى باب السماء يا شيخ؟! .

بالتأكيد لو ان قائل هذا الحديث قرأ تاريخ البشر وكيفية تقدم الامم والشعوب وتطورها. لأدرك ان الاقتصاد لا يبنى بالعواطف، بل باستعمال العقل والادارة والحكمة وتطوير وسائل الانتاج، وان كل انسان عليه ان يعمل ويكدح في الحياة من اجل رزقه ورزق عياله وان محمد رسول الله كان يعطي المتعطل عن العمل حبلا ويطلب منه ان يذهب ويحتطب، ويكتسب الرزق بعمله ثم ينفق على نفسه وعلى عياله، ان الدين علمنا ان نأخذ بالاسباب ولا ننتظر ان تسقط الولايات المتحدة وتنقسم الى دويلات متنازعة متحاربة، ثم بعد ذلك يتم توزيع ما تنتجه ارضنا ترليونات.. ترليونات.

ان اللامعقول يحدث لدينا في أقوالنا وفي حكمنا على الاشياء ولو ان المثقفين لدينا امثال شيخنا حكموا العقل والمعقول في اقوالهم وأعمالهم لما تحدثنا عن فتح روما والامة العربية والاسلامية بمئات ملايينها من البشر لا تستطيع ان تحرر اصغر قرية في فلسطين الاسيرة، وما دمنا بالخيال ولا تأخذ بالاسباب، ولا نتبع المنهج العلمي الذي حث عليه القرآن وسنة رسول الله العظيم، التي كانت تضع المقدمات السليمة التي توصل الى نتائج سليمة ولا بد ان نؤكد ان بناء الدولة و اقتصادها وقوتها العسكرية لا يتحقق بالعواطف والخطب الرنانة، بل بايجاد المناخ العلمي، والتنظيم القوي وخلق الوعي الحقيقي يحركه التاريخ، صحيح ان الامة تعيش ارهاصات واعدة وخيرة ولكن حتى نصل الى مبتغانا بحاجة الى اجيال وعقود من العمل والارادة السليمة وبناء الاخلاق القويمة التي تدفع الانسان للقيام بواجبه حتى يحصل على حقه.

اما تبسيط الحديث عن ان الخلافة الاسلامية ستقوم عام 2012 اي العام القادم، ليس فيه وعي، وكله سذاجة لا يقرها الاسلام الحنيف لأن ميزة هذا الدين الاساسية انه لا يغفل عن فطرة الانسان وحدود طاقته وواقع الحياة المادية كما يقول الشهيد سيد قطب -رحمه الله- وليس من مصلحة المسلمين ان نبسطها ونسطحها كل هذا التسطيح الذي يخرج عن الفطرة وعن طبيعته التي خلقه الله عزا وجل عليها، وان تنزيل النهج الاسلامي على ارض الواقع بحاجة الى جهد وجهاد طويل وشاق وبحاجة الى رجال ونساء قوتهم كالجبال وصلابتهم كالحديد، ولهم عقول منفتحة متقدة تتفاعل مع الحياة ان تأخذ بالاسباب، وتضع المقدمات لتحقيق النتائج السليمة، أما تحقيق الخلافة بقوة سحرية ليس من الاسلم في شيء.

1